عبور نهر الدموع …الطريق إلى القدس
كتبهاباسم محمد فارس ، في 22 أيلول 2006 الساعة: 08:09 ص
هذا هو الفصل الأخير من رواية على ضفاف نهر الدموع ، و الفصول جميعها موجودة في فئة الرواية / على ضفاف نهر الدموع
استمع إلى هذه الأغنية على هذا الرابط و هذه هديتي لزوار مدونتي بمناسبة حلول شعر رمضان المعظم http://switchboard.real.com/player/email.html?PV=6.0.12&&title=woqofan%20kalachjar&link=http%3A%2F%2Fa.amaaz.free.fr%2Fchakir%2Fchansons%20chakir%2Fwoqofan%20kalachjar.rm
نهض الأصدقاء الثلاثة في ساعة متأخرة من ذلك اليوم الذي لم يشهدوا مثله من قبل إنّه اليوم الأول بعد رحيل القائد الذي لم يعرفوا غيره ، و لكن هذه سنة الله في خلقه و لا تبديل لها فالمتناقضات لا بدّ منها في هذه الدنيا الفانية نبدأ حياتنا بمعجزة الحمل و نفخ الروح و نخرج من أرحام أمهاتنا بمعجزة الولادة و نحيا و من ثمّ نموت ، لتبقى أرواحنا خارج أجسادنا أكثر من المدة التي تكون بداخلها . سبحان الله الذي خلق كل شيء من العدم إنّا له و إنّا إليه راجعون .
حضرت لهم الخالة طعام الإفطار و جلسوا أمام شاشة التلفزيون ليشاهدوا العالم الذي انتقل إلى عمّان ليشارك في تشييع الراحل رحمه الله ، كانت جنازة مهيبة ربّما لم يشهد التاريخ مثيلاً لها ، فكل الأضداد في هذا العالم قدموا لوداعه و كأنّ الجميع اتفق على صداقته و محبته ، و في تلك اللحظات رنّ جرس الهاتف و نادت الخالة :
- كريم …
- نعم خالتي …
- والدك على الهاتف يريدك …
- على طول …
و بعد أن أنهى المكالمة عاد كريم و استأذن حنا في المغادرة لأن والده يريد السّيارة ، و أيضاً صابر يريد العودة إلى البيت ، فالأقارب لا يزالون يتوافدون ليهنئوه بالسّلامة ، و لكنّهم قبل أن يغادروا اتفقوا على قضاء يوم الجمعة القادم سوياً على شاطئ البحر الميِّت ليستمتعوا بالأجواء المعتدلة في تلك المنطقة المنخفضة ، التي زاروها آخر مرّة عندما كانوا أطفالاً في المدرسة الإعدادية ، حيث لا يزالون يذكرون زيارتهم لضريح أبي عبيده الجرّاح ، يومها و بينما كان أستاذ التاريخ يخبرهم عن تاريخ هذا الفاتح العظيم اغرورقت عيونهم بالدموع ، و كلّما اشتدت الأمور على الناس ، فبالأسى يتذكرون هؤلاء العظماء و التي تحوّلت سيرهم إلى قناديل تضيء النفق المظلم الذي أوغلنا السير فيه و ترشدنا إلى طريق الخلاص ، و لكن لا أدري إنْ كنّا قد أصبحنا من الكائنات الظلامية التي تخاف من الضوء بعد أنْ أطلنا البقاء في هذا النفق المظلم أم لا ، فهل نحن نرغب بالخلاص فعلاً و الخروج إلى عالم آخر تشرق فيه شمس الحق و الحرية و يتسع لنا جميعاً ، أمْ ماذا ؟!!!
وفي تلك الجمعة كانت جبال الغيوم لا تزال تقتحم زرقة سماء عمّان ، تتزاحم السحب ، تارة تمطر رذاذاً و تارةً أخرى تجعلك تشعر بأنّها تتردد في تفريغ حمولتها و تتشاور مع نفسها أمطر هنا أم لا أمطر ، يومها انطلقوا بعد صلاة الجمعة ، كان صابر متردداً بين أن يسلك طريق العارضة ذات المنعطفات الخطرة و الهبوط الحاد باتجاه وادي الأردن ، أم أن يسلكوا طريق القدس السريع و هي أسلم و آمنة أكثر من تلك الخطرة ، استشارهم في هذا الأمر فاختاروا بالإجماع الطريق السريع السهل فلا شيء يستحق المغامرة .
أدار صابر مقود السيّارة و اتّجه إلى الشاطئ عبر طريق القدس التي لم تكن تشهد إلاّ حركة بسيطة لبعض سيّارات الأجرة و الحافلات التي تقل المسافرين إلى الأرض المباركة ، كان الحزن على الملك الراحل رحمه الله يظهر في كل مكان من خلال الأعلام السوداء التي يضعها سائقي التاكسيات على سيّاراتهم . و بعد أن قطعوا منطقتي ناعور و العدسية بدءوا يشعرون بأن شيئاً يضغط على آذانهم بسبب انخفاضهم عن مستوى سطح البحر ، فالآن هم باتجاه وادي الأردن الذي يقع بين سلسلتين من الجبال ، و كلّما ازدادوا نزولاً بدت سلاسل الجبال أكثر شموخاً و كأنّها لا ترغب بالانحناء فربّما تحتاج إلى ملايين أخرى من السنين كي تبدوا بشكل أكثر طواعية و سلاسة ، فالطبيعة لم تستطع تهذيبها و ظلّت تقاومها ، كأنّها أشبه ما تكون بالخيول العربية التي تبقى وفيةً لفرسانها ، إن امتطاها أحد الغرباء تتحول إلى همجية ، فقد رفضت هذه الجبال أولئك الغرباء الذين حاولوا ترويضها و امتطائها ، و بقيت في حالة وفاء أزلية لأولئك الفاتحين الذين جعلوا من هذه الجبال و الصخور الصّماء أرضاً طاهرةً مقدّسة تراق الدّماء في سبيلها .
سأل حنا الذي كان يجلس في المقعد الخلفي صابر :
- أين نحن الآن ؟
- دقائق و نخرج من منطقة الرامة
- إذن يمكننا مشاهدة البحر من هذه المنطقة ؟ سأل كريم
- لا أظن ذلك ألا تروا الغيوم التي فوقنا فقد لا نستطيع تمييزه أجابه حنا
من حسن حظ صابر أنّه لم يكن مسرعاً تلك اللحظة ، فقد تفاجأ بسرب سيارات طويل كان متوقفاً عند أحد نقاط التفتيش المنتشرة في تلك المناطق منذ زمن طويل ، فتحوا نوافذ السيّارة لإخراج رائحة دخان السجائر المتكاثف ، فهبّ هواء عليل معطر برائحة التراب الذي لم يجف بَعْد من مياه الأمطار الهاطلة من تلك الغيوم التي يبدو فيها بخاراً أسوداً . البدائيةُ تبدو على ذلك المكان ، لا شيء غير السيّارات المتوقفة في ذلك السرب يوحي لك أنّك تعيش في السنتين الأخيرتين من القرن العشرين ، فكل شيء بقي على حاله منذ قرون عديدة . يبدو أنّهم قد علقوا في ذلك السرب فهناك عملية تفتيش دقيقة لكل سيّارة حتى أنّك لا تستطيع العودة من حيث أتيت ، و بعد نصف ساعة بدا السرب يتحرك و ساعة أخرى مضت كي يحل دورهم في التفتيش الذي استغرق ساعة بأكملها ، لا يعرف أحد من الأصدقاء عن أي شيء كانوا يبحثون إلاّ بعد سألهم أحد العسس عن ما إذا كانوا يحملون أي أسلحة في السيّارة ، فنفوا هذه التهمة الخطيرة في عرف هذا الزمن التائه في عالم آخر لا يرحم .
انطلقوا إلى وجهتم و لم يكن معهم إلاّ رغبتهم بالخلاص ، يطلقونها مدوِّيةً في الآفاق ، لعلّ الله يسخِّر الكون لأجل تحقيقها ، تميّزت هذه الرحلة بالصمت الأبلغ من أي كلام في هكذا أيام ، كانوا يتأملون المكان و يحاكونه ، كأن الأشجار و الأحجار تحاورهم و تخبرهم عن أيام قد خلت . و هذا التراب المبتل في جعبته الحكايات الدامية ، التي لا يفهمها إلاّ منْ يتكلّم لغته البدائية البسيطة السهلة الممتنعة ، فهذا التراب ليس كغيره من التراب فمن مكوّناته رفات الملايين من البشر الذين قضوا في المعارك التي لن تنتهي بين الخير و الشر ، الخير الذي جاء به أنبياء الله و رسله ، و الشر من أولئك البشر الذي رفضوا تحرير أنفسهم من رغبات الشيطان ، و لكن الأشرار لا يعتبرون من تلك المعارك التي هزموا بها و التي كان آخرها هزيمتهم الأخلاقية و العسكرية على يد صلاح الدّين ،لديهم إصرار عجيب على مقارعة تراب هذه الأرض ، لم يفهموا أنّ هذه الأرض ترفضهم و ستظل كذلك إلى أنْ يرثها الذي أقسم بتينها و زيتونها .
وجدوا أنفسهم ينعطفون يساراً بغير إرادتهم ، فهم لا يمكنهم إكمال السير إلى أريحا فهم لا يجيدون لعبة البوكر و لم يسبق لهم أن لعبوا الروليت ، و لكن القلة الخائبة المتنفِّذة تجيد اللعب في كل شيء إذا رفضت لا تعرف كيف و لماذا ، و إذا قبلت تكون الكارثة و الطامة الكبرى . و ما أن انعطفوا يساراً إلاّ و قد وجدوا أنفسهم على الشاطئ الشرقي لبحيرة ميِّتة كادت أن تجف ، فالمكان غير مسكون إلاّ من بعض الفنادق الدخيلة التي تحاكي ذلك الكازينو الوحيد في غرائبه على مستوى المنطقة .
كانت الشمس تشارف على المغيب لحظة نزولهم من السيّارة ، فأعطت الغيوم العابرة لوناً نحاسياً ، اقتربوا من الشاطئ الهجين الذي لا يتعدى البضعة أمتار ، نظروا حولهم فوجدوا الصخور و الأتربة لا زالت على حالها و كأنّ البحر لم يقترب منها أبداً ، و رائحة الملح الذي تحوّر على الصخور و التراب تاركاً علاماته البيضاء تفوح في المكان وقد بدأت نسمات باردة تهب من الجهة الغربية مع اقتراب الشمس من الغروب خلف تلك الجبال المباركة .
وقف الأصدقاء الثلاثة على الشاطئ الميّت و عيونهم تتجه نحو الغرب ، كانت مياه البحر عكرة بفعل فيضان نهر الدموع ناحية مصبه ، و الغيوم التي احمرّت و ذلك البخار الأسود الذي يبتعد و يقترب من تلك الكتل و كأنّه غبار انبعث من الأحصنة التي تمتطيها أرواح الفرسان الشجعان الذين قضوا مجاهدين أو شهداء في سبيل هذه الأرض الطيبة و تكتب حوافر أحصنتهم عائدون و رب البيت عائدون لنطرد اللصوص العابرين الذين دخلوا خلسة و تسربلوا في معسكرهم الذي ادّعوا أنّه دولة .
و فجأة علا صوت صابر و تبعه كريم ثمّ حنا و رتلوا رغبتهم بصوت واحد لتنطلق عائمة في هذا البحر الميّت لعلّ الحياة تدب فيه من جديد ، و لتصنع من الأخشاب اليابسة قوارب للعودة لعلّها ترسوا في يوم قادم لا محالة على شواطئ بحر الأحزان ، أو لعلّها تُخْرِجُ الأبطال من حبّات السنابل مهللين مكبرين داخلين الأقصى تائبين راكعين ساجدين ، و يصوت مرتفع رتلوا ترنيمة العودة :
يا أيُّها العابرون الغرباء آن لكم أنْ ترحلوا
نحن عائدون
فالعدد الذي تستطيعون منّا أن تقتلوا فاقتلوا
و جماجم قتلانا لا تنسوا فَخُذوا
و تاريخكم في أرضنا فعليها فاكتبوا
ترابنا يرفض موتاكم فهو من دم أحبته يشربُ
نحن عائدون
من أشلائنا و دمائنا
طريق خروجكم من أرضنا فارصفوا
يا أيها السفّاحون ، فأنتم عن مكاننا و زماننا غرباءُ
صرخات المسيح في طريق الآلام لا زلنا نسمعُ
لن نطيل البقاء على جبل نيبو
فنحن عائدون
للأرض المقدسة فاتحون
و إن لم تجدوا أرضاً ترغبكم
فإلى جهنّمً فاعبروا
انتهت الرواية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : على ضفاف نهر الدموع / رواية | السمات:على ضفاف نهر الدموع / رواية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 22nd, 2006 at 22 سبتمبر 2006 11:51 ص
طريق خروجكم من أرضنا فارصفوا
يا أيها السفّاحون ، فأنتم عن مكاننا و زماننا غرباءُ
خالص التقدير لروائعك أخي الفاضل
وكل رمضان وانت بيننا بجميل العطاء ـ أعاده الله علينا باليمن والبركات
ديسمبر 10th, 2006 at 10 ديسمبر 2006 2:14 م
العزيز باسم/ تحياتي/ قرأت روايتك. لديك لغة جميلة، ولديك قدرة على السرد وعلى بناء الشخصيات الروائية. لكنني لاحظت أن المعالجة الرومانسية تتحكم في أحداث الرواية وفي السرد. أقصد تلك المصادفات التي لا نعثر عليها إلا في الأدب الرومانسي، والأدب الروائي في الوطن العربي ابتعد عن الرومانسية وتطور نحو آفاق جديدة، وعلى كل كاتب جديد أن ينطلق من حيث انتهت موجة الأدب الحديث. لاحظت بعض الحوارات وهي تدور كما هو الحال في الواقع تماماً، في حين أن الحوار في الرواية ينبغي له أن يكون منتقى بعناية وذا دلالة، وليس مجرد دردشة. لاحظت كذلك أن لديك أفكاراً جيدة ضد العولمة ونزعات الغرب الرامية إلى الانحلال وتدمير إنسانية الإنسان، غير أن هذه الأفكار لا تنبع من داخل الحدث الروائي وإنما تساق بقرار من الكاتب، بحيث يمكن ا لاستطراد إلى ما شاء الله في تسجيل الأفكار، و الرواية ليست تسجيلاً للأفكار، وإنما هي عالم فني متكامل يحتوي في داخله على رؤى وأفكار نابعة من داخل النسيج الفني للرواية. في الرواية روح وطنية متوثبة، وأنا أحييك على همتك العالية وعلى نشاطك في ميدان الكتابة، راجياً أن تكون هذه الرواية فرصة لتطوير كتابتك الروائية في المستقبل القريب. مع التقدير/ محمود شقير