مع اقتراب موسم الحج و ذكرى حريق منى …
كتبهاباسم محمد فارس ، في 19 كانون الأول 2006 الساعة: 09:09 ص
مع اقتراب موسم الحج
نشرت في القدس العربي بتاريخ 27/12/2006
تدمع عيني في كل عام و أنا أشاهد الحجيج و هم يتّجهون إلى المشاعر المقدّسة في يوم الثامن من ذي الحجة و هو يوم التروية الذي يسبق يوم الحج الأكبر أي الوقوف بعرفة ، لأنني أعلم أنّ هناك ثمة مصيبة من المرجّح أن تحدث فتحصد حياة العشرات منهم إن لم نقل المئات ، فلا زلت أذكر ذلك اليوم المريع و هو يوم التروية سنة 1996 ، يوم احترق أكثر من 700 حاج و حاجة ، في ذلك اليوم كنت قد وصلت أنا و أصدقائي إلى مِنى حيث توجهنا إلى مسجد هناك يطلقون عليه اسم جامع الكويتيين حيث جلسنا فيه و بدأنا بقراءة القرآن ، و قبيل الظهر بقليل بدأنا نسمع أصوات الحجيج و هم يدعون اللهم أنزل المطر ، لم أفهم أنا و أصدقائي ما الذي يحدث خارج المسجد ، و مع مرور الدقائق أخذت مشاعر الرعب و الخوف تظهر على وجوه من كانوا في الداخل ، فقررنا أن نخرج من الجامع لنعرف ما الذي يحدث في الخارج ، و عندما خرجنا كانت السماء تغطيها سحب سوداء كثيفة و الحجيج يركضون في كل الاتجاهات تتملكهم مشاعر الرعب و الخوف ، فرائحة الموت انتشرت بسرعة البرق و امتلأت منى بالصراخ و زفير النيران المندلعة كان بمثابة موسيقى تصويرية لمشهد الموت الجماعي المريع
ركضت أنا و أصدقائي و اتّجهنا إلى أحد الجبال القريبة منا ، و في طريق الهروب ، مشاهد مؤلمة قد حُفِرَتْ في الذاكرة ، جثث محترقة ، و رجال و نساء كبار في السن، ملأهم الخوف و الرعب ، منهم من تمكّن من الهرب و منهم من استسلم للنيران ، ليلقى وجه ربه ، و عندما بدأنا بصعود الجبل كنا نسمع أصوات انفجارات جرار الغاز الكبيرة التي تناثرت شظاياها لتزيد الطين بلة ، في ذلك اليوم انتابني شعور بأن الموت قد اقترب و لم يبقى لي إلاّ لحظات و تلتهمني النار ، أو شظية طائرة من جرار الغاز المنفجرة تخترق جسدي و ترديني قتيلاً ، استمريت بصعود الجبل مُخْتَرقاً سحب الدخان ، و عندما بدأت أرى زرقة السماء أدركت بأنني قد نجوت من الموت بأعجوبة ، و لم أرى أصدقائي الذين لم يتمكنوا من إكمال الطريق و لكنّهم أيضاً نجو
و هناك على قمة الجبل بدأت أرى منى الملتهبة و المنكوبة ، و بعد أن أكلت النيران كلّ شيء أخذت بالانحسار تدريجياً إلى أن انطفأت ، و بعد تلاشي الدخان نزلت من الجبل ، لتبدأ المأساة بأخذ شكلٍ آخر ، فقد رأيت شيخاً مغربياً طاعناً في السن يتكئ على عصى و يرتدي ملابس الإحرام البيضاء المتّشحة بالسواد و التي تفوح منها رائحة الحريق ، رأيته ينادي " وينك يا حاجة راكي رحت بالعافية" و العافية هي النار باللهجة المغربية ، فقد فقد زوجته في الحريق و لا يعلم أين هي ، رحمة الله الواسعة تمثّلت في عدم وصول كل الحجيج إلى منى فقد كانوا في الطريق ، فلو بدأ الحريق بعد ساعتين لكانت هذه الكارثة فريدة من نوعها لم تشهد الإنسانية لها مثيلاً ، و مرّت تلك الليلة الثقيلة التي قضيتها مستمعاً لمآسي الحريق المحزنة ، و في الفجر توجّهنا إلى عرفة و في اليوم التالي بدأ العيد الذي لقضائه كان لا بدّ من الرجوع الحزين إلى منى المحترقة و التي كان لا بد من قضاء يومين آخرين فيها لرمي الجمرات ، و موقع الجمرات هذا عادة ما يكون ساحى أخرى للموت الجماعي بسبب سوء إدارة الحشود
و بعد سرد هذه الشهادة أري من الضروري ذكر بعض الملاحظات ، فقبل الحريق عندما كنت أتجه إلى جامع الكويتيين لاحظت الجرار الكبيرة لغاز الطهي و التي كانت السبب في اندلاع الحريق ، و رأيت الخراف المعدّة للذبح ، و هنا أسأل ألا يستطيع أولئك الناس أن يصبروا قليلاً و يتوقفوا عن التهام الطعام الذي يبدو أنّهم لا يعرفون غيره في الحياة ، فقط عليهم أن يتوقفوا عن الطهي و أكل اللحوم لمدة ثلاثة أيام فقط ، و اين هي ثقافة الحج التي توضح و تشرح فلسفة المبيت في منى ، فمن الممكن أن تكون منى مكاناً رائعاً للتخييم و التعبد
فالمشاكل و المآسي التي تحدث في الحج تعود لسببين رئيسيين على الأقل و هما : غياب ثقافة الحج و سوء إدارة الحشود ، و لكن لا بدّ من الإشارة إلى ضرورة الاستعانة بذوي الكفاءة في هذا المجال ، و أخيراً و لكي تكتمل الشهادة تجدر الإشارة إلى أن السلطات هناك تبذل مجهودات كبيرة لإنجاح الموسم و لكي تمر أيام الحج بسلام ، و الزائر إلى البقاع المقدّسة يلحظ الاهتمام الكبير الذي تبديه السلطات للمشاعر المقدّسة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : منوعات | السمات:منوعات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 19th, 2006 at 19 ديسمبر 2006 12:44 م
شكرا لك أخي الكريم على هذه الشهادة التي يغفل عنها الكثير
حتى الذين شاهدوا هذا الاهتمام بام أعينهم !!
ديسمبر 24th, 2006 at 24 ديسمبر 2006 8:30 م
كل عام وانتم بخير وربنا يرزقك حجه اخرى
افادنا قريب من تلك المشاعر المقدسه ان اطمئنك ان الوضع الحالى افضل من 96
والجهود مبذوله لتيسير الحج نسأل الله ان يحفظ جميع الحجاج
يناير 10th, 2007 at 10 يناير 2007 1:54 م
ليس اروع من ان يكتب الانسان عن اعز امنية يتمناها المسلم في حياته وبطريقة ادبية رائعه اتمنى زيارة البيت الحرام والله يرزقنا واياكم الحج ان شاء الله
أبريل 23rd, 2008 at 23 أبريل 2008 3:15 م
بوركت أخي ..
اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام في عامي هذا وفي كل عام..