على ضفاف نهر الدموع / رواية / الجزء الأول : الحب و الرغبة

كتبهاباسم محمد فارس ، في 4 أيلول 2006 الساعة: 14:09 م

الفصل الأول  

بينما كان كريم يغط في نوم عميق ، العرق كان يتصبب من جبينه و يغلق أذنيه براحتيّ يديه ؛ فصدى قرع تلك الطبول التي سمعها ليلة عودته من العقبة  لا زال يطارده في منامه ، و على حين غرّة سقط في هاوية سحيقة ، و التي على حافتها رأى قوماً غرباء يرتدون ثياباً بيضاء تتناثر عليها بقعٌ حمراء ، كانوا يقرعون الطبول لتخرج منها أصوات غريبة و كأنّها تنذر بالخراب الدّمار ، و هناك في الهاوية رأى صديقيه صابر و حنا نائمين مضرجين بدمائهما ، فصرخ بصوت مرتفع و نهض من النوم قبل أذان الفجر بقليل ، فحمد الله على أنّ ما رآه ما كان إلاّ كابوساً مرعباً ، و قال في نفسه : يا ترى ما هي أخبار صابر و حنا ،  فقد مضى على سفرهما ستة أشهر . و كانت المفاجأة الأولى في الصباح عندما اتصل بالخالة أم حنا و التي أخبرته بأنّ صديقه حنا قد عاد من أمريكا فجر اليوم و هو لا يزال نائماً ، أمّا المفاجئة الثانية فقد كانت عندما اتّصل بمنزل صابر ، فهو لم يكن ليتوقع بأنّ من ردّ عليه كان صديقه الحميم بعينه .

-       آلو مرحبا …

-       أهلن كريم …

-       منْ صابر ؟!!

-       نعم كريم أنا صابر …

-       متى عدت ؟!

-       مساء الأمس في إجازة قصيرة 

-       و كيف الأحوال إن شاء الله تمام ؟

-       و هل يجوز أن تسأل على التلفون ، هيا تعال بسرعة لا تضيع الوقت …

-       على طول مسافة الطريق و أكون أمامك …

-       سأكون بانتظارك …

لا يزال كريم يتطلع بشوق كي يلتقي بصديقيه العائدين من المنامة و نيويورك ، لا يدري كريم ما الذي كابده صديقاه و هما هناك في تلك البلاد البعيدة ، فهو ربّما لا يدري بأنّ المعاناة ربمّا لا تكون بسبب قسوة الحياة بل ربّما تكون بسبب مشاكل نفسية و صراعات داخلية . فهذا الجيل هو نجم هذه العشرية السوداء بدون منازع ، و يزداد اللون اسوداداً مع كل يوم جديد . إنّه الضياع ففي هذا الزمن لا يدري الشباب أي طريق عليهم أن يسلكوا ، و ما من أحد يدلهم أو يساعدهم على اكتشاف الحقيقة ، فهناك من يدفعهم إلى اعتناق أفكار و معتقدات غريبة ، و هناك من يحثُّهم على الفساد و الانزلاق في براثن الرذيلة ، فهم بين المطرقة و السندان ، تجدهم دائماً شاردي الذهن ، فهم يخطّطون للهجرة إلى الشمال الغني بعد أن ضَعُفَ الانتماء للوطن و العقيدة ، ليحلَّ محلّه الانتماء إلى الذات الشخصية ، فالكل يريد أن ينفذ بجلده . فالمراكب تغرق في الجنوب و ما من أحد يعلم كيف تسير الأمور و من يسيِّرُها ، فأحوال الناس متردية إنّهم يختنقون نعم إنّه الجحيم .

الناس يلهثون وراء سماع الأخبار بعد أنْ حطّت طائرة القبطان المحتضر في المطار و الذي نُقِلَ إلى المستشفى بدون إبطاء ، و تحوّلت العاصمة إلى نقطة ، إخبارية فشيء بالتأكيد سيحدث في الأيام القليلة القادمة ، و لكن لم يمر أكثر من يوم واحد ليقطع بث البرامج الوثائقية و ليبدأ ترتيل القرآن على روح الفقيد رحمه الله ، فقد نُعيَ الملك و تم الإعلان عن الخبر المفجع ، لحظات لم يمر لها مثيل على الناس الذين يحبون ملكهم ، فقد فُجِعَ الناس بحبيبهم و موجِّههم بعد أن فُجِعوا بمستقبلهم . فالعشرية الأخيرة شهدت الكثير من التحولات الاجتماعية بعد حرب الخليج الثانية ، و ما تبعها من ازدياد البطالة و التضخم و الغلاء و بالتالي الفقر المدقع ، و على الناس إيجاد طريقة ما تساعدهم على التكيُّف بالرغم من أنّ الحمل أصبح ثقيلاً .

السماء كانت تمطر بغزارة لحظة وصل كريم إلى منزل صديقه صابر ، و جبال السحب لا زالت تلقي بمائها على الأرض ، انتظر قليلاً في السيارة حتى يتوقف المطر و لكنّه كان يزداد غزارةً ، نزل من السّيارة و هرول مسرعاً إلى الباب و لحسن حظه فتحت له الباب كفاح شقيقة صابر فور قرعه للجرس  :

-       مَنْ كريم ؟! عاش مين شافك تفضل قبل أن تبتل

-       تعيشي هنية يا رب ، أين صابر ؟

-       سلّم يا أخي أولاً ، فصابر لن يطير

-       آسف يا ست كفاح ، و لكنني متلهف لرؤيته

كان العم أبو صابر يجلس في غرفة الضيوف أمام شاشة التلفزة يتابع خبر وفاة الملك رحمه الله فهو شخصية مثيرة و ثريّة في نفس الوقت ، فقد ترك الدنيا وراءه و ذهب إلى بيروت ليدافع عن أسوارها فيه تناقض ملفت للانتباه الثراء و الثورة ، إنّه يعشق رغد العيش فيحاكي الأرستقراطية في لباسه و طريقة تدخينه للسيجار ، عاش طفولةً قاسية في أزقة مخيّم الوحدات ، و لكنّه تعلّم و شقّ طريقه في الحياة بثقة و بنى نفسه من اللاشيء ،  تحسبه فاحش الثراء و لكنّه في الحقيقة غير ذلك .

 دخل كريم و ألقى التحية

-    صباح الخير عم أبو صابر

توقف مرحباً و بنبرة يُشتمّ منها رائحة العتاب :

-   مَنْ كريم ؟! الحمد لله على سلامتك ، متى عُدْتَ من السفر ؟!

-     لم أسافر عمي

-     و لماذا انقطعت أخبارك بعد سفر صابر ؟!

-     كنت منهمكاً في البحث عن عمل 

-      إن شاء الله بالتوفيق هيا تعال و اجلس بجانبي

لم تتأخر الخالة أم صابر ، فقد أتت للسّلام على صديق ابنها كريم  :

-       صباح الخير

-       صباح النور خالتي

-       أين كنت طوال هذه المدة ؟!

-       في عمّان أبحث عن عمل ، و لكن أين صابر ؟

-       سيعود حالاً فقد خرج لشراء الخبز

حضّرت كفاح قهوة الصباح ، و قبل أن تبدأ بتقديمها دخل صابر المجلس بطلَّته البهيّة ، و كان لقاء الأحبة الذي يصعب وصفه بكلمات ، فقد تعانق الصديقان بعد طول غياب ، فالعناق كان حميماً لدرجة أنّهما بَكَيا ، إنّها رحلة الطفولة و الدّراسة ، اللقاء كان مؤثراً للغاية حتى أن كفاح بكت من شدة تأثرها و قالت لهما :

-       لم يبقى إلاّ وجود حنا الآن لتكتمل فرحتكما

-       بالمناسبة حنا عاد من أمريكا فجر اليوم

-       أحقاً عاد ؟!

-       نعم فقد عاد

-       و لكنّه غادر عمّان مهاجراً أليس كذلك ؟!

-        نعم ، و لكن يبدو لي أن شيئاً ما قد حدث معه سنذهب لزيارته في المساء

تبادلوا أطراف الحديث بينما كانوا يشربون القهوة ، و لكنّ كريم قرأ  في عيون صابر رغبته في الخروج من البيت ، و كأنّه يرغب في قول شيء ما ، فاقترح على صابر أنْ يخرجوا معاً ، و لكنّ  هذا  الاقتراح لاقى سخط الخالة أم حنا و التي اعترضت و قالت :

-      إذا أردتم الخروج فاخرجوا بعد الغداء ، أمّا الآن فبالله عليكم أين ستذهبون في هذه الأجواء الماطرة ؟!!

-       أريد الخروج أمي فالإجازة قصيرة و لا أرغب بقضائها في البيت أمّي

-       خلص يا أم صابر اتركيهم على راحتهم

-       و لكن يا أبو صابر

-       هيا يا أولاد و لكن لا تتأخروا

 خرج الصديقان من المنزل و لكنّهما كانا حائران فهما لا يعرفان أين بإمكانهما للذهاب في هذه الأجواء الماطرة و الكئيبة فاقترح كريم  :

-       ما رأيك يا صابر أن نذهب إلى أحد المقاهي ؟

-   أفضل أن نذهب إلى مكان مفتوح ، فعندما خرجت هذا الصباح لشراء الخبز ، كانت الأجواء كئيبة ، و كأنّ الناس في مسابقة لإظهار الحزن على روح الفقيد رحمه الله فما رأيك أن نقوم بشراء القهوة و التوجه إلى منتزه عمّان

-   أعتقد أنّ الطريق إلى هناك مغلقة بسبب الوفود الآتية للمشاركة في تشييع الملك ، فالطريق إلى المنتزه عبر طريق المطار و أعتقد أنّها مغلقة ، و لكن لا بأس بإمكاننا الذهاب إلى منطقة شجرية قريبة من هنا

-       لا بأس هيا بنا

فمن سوء طالع هذا الجيل أنّه وجد نفسه يحمل أعباءً ثقيلة تعجز الجبال عن حملها ، فالمعركة التي فُرِضت عليه صعبة و كأنّها المشي على الحبال ، فالقرن العشرين شهد معارك طاحنة للتحرر من الاستعمار ، الذي خرج بعدها ظاهراً و لكنّه بقي باطناً ، فالضحايا في تلك المعارك كانوا من الشهداء الموعودين من الله بجنّات الخلد يُجاورون فيها الأنبياء و الصالحين ، و لكنّ معارك القرن القادم أشدّ و أعتى فالمعارك تختلف عن تلك الأخرى فهي أشبه ما تكون بالضرب تحت الحزام ، و الضحايا ليست الأجساد بل العقول و القيم و الأخلاق ، و من يسقط فيها فلن يكون شهيداً ، فهو للأسف لن يموت جسدياً بل يموت فكرياً و أخلاقياً و بالتالي يتحول إلى معول هدم و تخريب في المجتمع  . فمعارك اليوم أصبحت فكرية و عقائدية بالدّرجة الأولى ، الأعداء فيها جهابذةٌ في العلم و التكنولوجيا ، هدفهم فتح أسواق العالم و تحويل الأمم و الشعوب إلى قطيع ترعى في الأسواق ، فهؤلاء لا ينتمون إلى أي أمّة أو عقيدة و يتكلمون لغات متعددة و لا لون لهم و لا رائحة ، فهم كالنّار تحت الرماد .

خفّت غزارة المطر الذي أصبح رذاذاً لا يكاد يبدأ حتى يتوقف ، ركَن كريم السيّارة بين أشجار السرو و أدار موسيقى هادئة :

-       هل يعجبك هذا المكان يا صابر ؟

-       نعم ممتاز ، هيا أعطني سيجارة  فاليوم كان بدون تدخين

-       تفضل

-       شكراً يا كريم

-       هيا أخبرني كيف كانت الرحلة إلى البحرين ؟

-   ما أغرب هذه الدنيا يا صديقي فستة أشهر كانت كفيلة بقلب حياتي رأساً على عقب ، فقد كنت أتحرك في مربع رؤوسه الأربعة هي : الرغبة و الحب و الدّين و التاريخ ، تُهت في داخل هذا المربع .

-       شوقتني يا صابر لحكايتك في المنامة ، هيا أخبرني

ابتسم صابر و سَحَبَ نَفَسَاً عميقاً و نفثه بتنهيدة قوية ، كان الجو غائماً و بارداً ، فكتل الغيوم لا زالت تقتحم زرقة سماء عمّان بعد طول غياب ، لعل هذا البرد و المطر يطفئان حريق الخوف من المجهول ، فالطريق إلى المستقبل مليئة بالحفر و المنحدرات و ليس هذا فحسب بل هناك ضباب كثيف يَمْنَعُكَ من رؤية قدميك و الطريق الذي تسير فيه ، فأصبح التقدّم مجازفة تودي إلى الهاوية في كثير من الأحيان و الوقوف و التسّمُر في نفس المكان أسْلَمْ  ، بدأ صابر بسرد حكايته المثيرة للجدل  … يتبع

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : على ضفاف نهر الدموع / رواية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “على ضفاف نهر الدموع / رواية / الجزء الأول : الحب و الرغبة”

  1. أهنئك على مدونتك …أتمنى لك المزيد من التقدم
    زياد جيوسي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر