الفصل الأول
بينما كان كريم يغط في نوم عميق ، العرق كان يتصبب من جبينه و يغلق أذنيه براحتيّ يديه ؛ فصدى قرع تلك الطبول التي سمعها ليلة عودته من العقبة لا زال يطارده في منامه ، و على حين غرّة سقط في هاوية سحيقة ، و التي على حافتها رأى قوماً غرباء يرتدون ثياباً بيضاء تتناثر عليها بقعٌ حمراء ، كانوا يقرعون الطبول لتخرج منها أصوات غريبة و كأنّها تنذر بالخراب الدّمار ، و هناك في الهاوية رأى صديقيه صابر و حنا نائمين مضرجين بدمائهما ، فصرخ بصوت مرتفع و نهض من النوم قبل أذان الفجر بقليل ، فحمد الله على أنّ ما رآه ما كان إلاّ كابوساً مرعباً ، و قال في نفسه : يا ترى ما هي أخبار صابر و حنا ، فقد مضى على سفرهما ستة أشهر . و كانت المفاجأة الأولى في الصباح عندما اتصل بالخالة أم حنا و التي أخبرته بأنّ صديقه حنا قد عاد من أمريكا فجر اليوم و هو لا يزال نائماً ، أمّا المفاجئة الثانية فقد كانت عندما اتّصل بمنزل صابر ، فهو لم يكن ليتوقع بأنّ من ردّ عليه كان صديقه الحميم بعينه .
- آلو مرحبا ...
- أهلن كريم ...
- منْ صابر ؟!!
- نعم كريم أنا صابر ...
- متى عدت ؟!
- مساء الأمس في إجازة قصيرة ...
- و كيف الأحوال إن شاء الله تمام ؟
- و هل يجوز أن تسأل على التلفون ، هيا تعال بسرعة لا تضيع الوقت ...
- على طول مسافة الطريق و أكون أمامك ...
- سأكون بانتظارك ...
لا يزال كريم يتطلع بشوق كي يلتقي بصديقيه العائدين من المنامة و نيويورك ، لا يدري كريم ما الذي كابده صديقاه و هما هناك في تلك البلاد البعيدة ، فهو ربّما لا يدري بأنّ المعاناة ربمّا لا تكون بسبب قسوة الحياة بل ربّما تكون بسبب مشاكل نفسية و صراعات داخلية . فهذا الجيل هو نجم هذه العشرية السوداء بدون منازع ، و يزداد اللون اسوداداً مع كل يوم جديد . إنّه الضياع ففي هذا الزمن لا يدري الشباب أي طريق عليهم أن يسلكوا ، و ما من أحد يدلهم أو يساعدهم على اكتشاف الحقيقة ، فهناك من يدفعهم إلى اعتناق أفكار و معتقدات غريبة ، و هناك من يحثُّهم على الفساد و الانزلاق في براثن الرذيلة ، فهم بين المطرقة و السندان ، تجدهم دائماً شاردي الذهن ، فهم يخطّطون للهجرة إلى الشمال الغني بعد أن ضَعُفَ الانتماء للوطن و العقيدة ، ليحلَّ محلّه الانتماء إلى الذات الشخصية ، فالكل يريد أن ينفذ بجلده . فالمراكب تغرق في الجنوب و ما من أحد يعلم كيف تسير الأمور و من يسيِّرُها ، فأحوال الناس متردية إنّهم يختنقون نعم إنّه الجحيم .
الناس يلهثون وراء سماع الأخبار بعد أنْ حطّت طائرة القبطان المحتضر في المطار و الذي نُقِلَ إلى المستشفى بدون إبطاء ، و تحوّلت العاصمة إلى نقطة ، إخبارية فشيء بالتأكيد سيحدث في الأيام القليلة القادمة ، و لكن لم يمر أكثر من يوم واحد ليقطع بث البرامج الوثائقية و ليبدأ ترتيل القرآن على روح الفقيد رحمه الله ، فقد نُعيَ الملك و تم الإعلان عن الخبر المفجع ، لحظات لم يمر لها مثيل على الناس الذين يحبون ملكهم ، فقد فُجِعَ الناس بحبيبهم و موجِّههم بعد أن فُجِعوا بمستقبلهم . فالعشرية الأخيرة شهدت الكثير من التحولات الاجتماعية بعد حرب الخليج الثانية ، و ما تبعها من ازدياد البطالة و التضخم و الغلاء و بالتالي الفقر المدقع ، و على الناس إيجاد طريقة ما تساعدهم على التكيُّف بالرغم من أنّ الحمل أصبح ثقيلاً .
السماء كانت تمطر بغزارة لحظة وصل كريم إلى منزل صديقه صابر ، و جبال السحب لا زالت تلقي بمائها على الأرض ، انتظر قليلاً في السيارة حتى يتوقف المطر و لكنّه كان يزداد غزارةً ، نزل من السّيارة و هرول مسرعاً إلى الباب و لحسن حظه فتحت له الباب كفاح شقيقة صابر فور قرعه للجرس :
- مَنْ كريم ؟! عاش مين شافك تفضل قبل أن تبتل …
- تعيشي هنية يا رب ، أين صابر ؟
- سلّم يا أخي أولاً ، فصابر لن يطير …
- آسف يا ست كفاح ، و لكنني متلهف لرؤيته …
كان العم أبو صابر يجلس في غرفة الضيوف أمام شاشة التلفزة يتابع خبر وفاة الملك رحمه الله فهو شخصية مثيرة و ثريّة في نفس الوقت ، فقد ترك الدنيا وراءه و ذهب إلى بيروت ليدافع عن أسوارها فيه تناقض ملفت للانتباه الثراء و الثورة ، إنّه يعشق رغد العيش فيحاكي الأرستقراطية في لباسه و طريقة تدخينه للسيجار ، عاش طفولةً قاسية في أزقة مخيّم الوحدات ، و لكنّه تعلّم و شقّ طريقه في الحياة بثقة و بنى نفسه من اللاشيء ، تحسبه فاحش الثراء و لكنّه في الحقيقة غير ذلك .
دخل كريم و ألقى التحية
- صباح الخير عم أبو صابر
توقف مرحباً و بنبرة يُشتمّ منها رائحة العتاب :
- مَنْ كريم ؟! الحمد لله على سلامتك ، متى عُدْتَ من السفر ؟!
- لم أسافر عمي
- و لماذا انقطعت أخبارك بعد سفر صابر ؟!
- كنت منهمكاً في البحث عن عمل
- إن شاء الله بالتوفيق هيا تعال و اجلس بجانبي
لم تتأخر الخالة أم صابر ، فقد أتت للسّلام على صديق ابنها كريم :
- صباح الخير
- صباح النور خالتي…
- أين كنت طوال هذه المدة ؟!
- في عمّان أبحث عن عمل ، و لكن أين صابر ؟
- سيعود حالاً فقد خرج لشراء الخبز …
حضّرت كفاح قهوة الصباح ، و قبل أن تبدأ بتقديمها دخل صابر المجلس بطلَّته البهيّة ، و كان لقاء الأحبة الذي يصعب وصفه بكلمات ، فقد تعانق الصديقان بعد طول غياب ، فالعناق كان حميماً لدرجة أنّهما بَكَيا ، إنّها رحلة الطفولة و الدّراسة ، اللقاء كان مؤثراً للغاية حتى أن كفاح بكت من شدة تأثرها و قالت لهما :
- لم يبقى إلاّ وجود حنا الآن لتكتمل فرحتكما …
- بالمناسبة حنا عاد من أمريكا فجر اليوم …
- أحقاً عاد ؟!
- نعم فقد عاد …
- و لكنّه غادر عمّان مهاجراً أليس كذلك ؟!
- نعم ، و لكن يبدو لي أن شيئاً ما قد حدث معه سنذهب لزيارته في المساء …
تبادلوا أطراف الحديث بينما كانوا يشربون القهوة ، و لكنّ كريم قرأ في عيون صابر رغبته في الخروج من البيت ، و كأنّه يرغب في قول شيء ما ، فاقترح على صابر أنْ يخرجوا معاً ، و لكنّ هذا الاقتراح لاقى سخط الخالة أم حنا و التي اعترضت و قالت :
- إذا أردتم الخروج فاخرجوا بعد الغداء ، أمّا الآن فبالله عليكم أين ستذهبون في هذه الأجواء الماطرة ؟!!
- أريد الخروج أمي فالإجازة قصيرة و لا أرغب بقضائها في البيت أمّي …
- خلص يا أم صابر اتركيهم على راحتهم …
- و لكن يا أبو صابر …
- هيا يا أولاد و لكن لا تتأخروا …
خرج الصديقان من المنزل و لكنّهما كانا حائران فهما لا يعرفان أين بإمكانهما للذهاب في هذه الأجواء الماطرة و الكئيبة فاقترح كريم :
- ما رأيك يا صابر أن نذهب إلى أحد المقاهي ؟
- أفضل أن نذهب إلى مكان مفتوح ، فعندما خرجت هذا الصباح لشراء الخبز ، كانت الأجواء كئيبة ، و كأنّ الناس في مسابقة لإظهار الحزن على روح الفقيد رحمه الله فما رأيك أن نقوم بشراء القهوة و التوجه إلى منتزه عمّان …
- أعتقد أنّ الطريق إلى هناك مغلقة بسبب الوفود الآتية للمشاركة في تشييع الملك ، فالطريق إلى المنتزه عبر طريق المطار و أعتقد أنّها مغلقة ، و لكن لا بأس بإمكاننا الذهاب إلى منطقة شجرية قريبة من هنا …
- لا بأس هيا بنا …
فمن سوء طالع هذا الجيل أنّه وجد نفسه يحمل أعباءً ثقيلة تعجز الجبال عن حملها ، فالمعركة التي فُرِضت عليه صعبة و كأنّها المشي على الحبال ، فالقرن العشرين شهد معارك طاحنة للتحرر من الاستعمار ، الذي خرج بعدها ظاهراً و لكنّه بقي باطناً ، فالضحايا في تلك المعارك كانوا من الشهداء الموعودين من الله بجنّات الخلد يُجاورون فيها الأنبياء و الصالحين ، و لكنّ معارك القرن القادم أشدّ و أعتى فالمعارك تختلف عن تلك الأخرى فهي أشبه ما تكون بالضرب تحت الحزام ، و الضحايا ليست الأجساد بل العقول و القيم و الأخلاق ، و من يسقط فيها فلن يكون شهيداً ، فهو للأسف لن يموت جسدياً بل يموت فكرياً و أخلاقياً و بالتالي يتحول إلى معول هدم و تخريب في المجتمع . فمعارك اليوم أصبحت فكرية و عقائدية بالدّرجة الأولى ، الأعداء فيها جهابذةٌ في العلم و التكنولوجيا ، هدفهم فتح أسواق العالم و تحويل الأمم و الشعوب إلى قطيع ترعى في الأسواق ، فهؤلاء لا ينتمون إلى أي أمّة أو عقيدة و يتكلمون لغات متعددة و لا لون لهم و لا رائحة ، فهم كالنّار تحت الرماد .
خفّت غزارة المطر الذي أصبح رذاذاً لا يكاد يبدأ حتى يتوقف ، ركَن كريم السيّارة بين أشجار السرو و أدار موسيقى هادئة :
- هل يعجبك هذا المكان يا صابر ؟
- نعم ممتاز ، هيا أعطني سيجارة فاليوم كان بدون تدخين …
- تفضل …
- شكراً يا كريم …
- هيا أخبرني كيف كانت الرحلة إلى البحرين ؟
- ما أغرب هذه الدنيا يا صديقي فستة أشهر كانت كفيلة بقلب حياتي رأساً على عقب ، فقد كنت أتحرك في مربع رؤوسه الأربعة هي : الرغبة و الحب و الدّين و التاريخ ، تُهت في داخل هذا المربع .
- شوقتني يا صابر لحكايتك في المنامة ، هيا أخبرني …
ابتسم صابر و سَحَبَ نَفَسَاً عميقاً و نفثه بتنهيدة قوية ، كان الجو غائماً و بارداً ، فكتل الغيوم لا زالت تقتحم زرقة سماء عمّان بعد طول غياب ، لعل هذا البرد و المطر يطفئان حريق الخوف من المجهول ، فالطريق إلى المستقبل مليئة بالحفر و المنحدرات و ليس هذا فحسب بل هناك ضباب كثيف يَمْنَعُكَ من رؤية قدميك و الطريق الذي تسير فيه ، فأصبح التقدّم مجازفة تودي إلى الهاوية في كثير من الأحيان و الوقوف و التسّمُر في نفس المكان أسْلَمْ ، بدأ صابر بسرد حكايته المثيرة للجدل ... يتبع
كتبها باسم محمد فارس في 02:09 مساءً ::
أهنئك على مدونتك ...أتمنى لك المزيد من التقدم زياد جيوسي
الاسم: باسم محمد فارس
