على ضفاف نهر الدموع / رواية / الجزء الأول / الحب و الرغبة
كتبهاباسم محمد فارس ، في 5 أيلول 2006 الساعة: 18:41 م
الفصل الثاني
هل تذكر يا كريم يوم ودّعتني في المطار و بارَكْت لي سفري و اعْتَبَرْتَهُ هدية من الله ساقها القدر لي ، فقد كانت الرحلة تحمل الرقم 606 و قد بدأت فور انتهائي من إجراءات الخروج و السفر ، و التي بعدها ذهبت إلى المقهى لاحتساء القهوة التي ستساعدني على البقاء يقظاً طوال فترة تلك الرحلة الليلية و التي سنخترق فيها ظلمة الليل الحالك مُحلّقين حتى الفجر .
تأمّلتُ في ذلك المقهى لحظات السفر و فراق الأحبة ، قد تكون صادقة و لكنّها بالتأكيد صعبة ، في تلك اللحظة تذكّرتُ جدّي ذلك الشيخ الكبير ، و أرجعتني الذاكرة إلى أيام الطفولة ، فقد تذكّرتُ الحكايات التي كان يرويها جدّي للأطفال في المخيّم ، أذكر أنّه كان يخبرنا عن طيور النورس و عن شواطئ بلادنا المنهوبة ، و عن ذكرياته هناك في الوطن ، أذكر حديثه عن الميناء الذي كان يشهد حركة نشطة للسفن ، و بالطبع لم يكن جدّي يدرك أن هذه السفن تقذف قطعاناً من المجرمين الذين سيفتكون به و يطردونه من أرضه و وطنه في بضع سنين ليصبح لاجئاً لا حول له و لا قوة ، فحكاياته أصبحت وطناً و العودة إلى تلك الموانئ حلُماً ، و لأجل تلك العودة قُدِّمت قوافل الشهداء و ستقدّم ، يالي الهول فقد احترقتُ ألماً لحظة وداع الأهل و الأحبة و التي كانت صعبة و مؤلمة ، فكَمْ كان جدّي جبّاراً و هو يعبر النهر مطروداً من وطنه ، و التي أصبحت عودَته إليه في علم الغيب و الشهادة ، ذَرَفْتُ الدّموع و أقسَمْتُ لأعملّنَ يا جدّي في سبيل إعادتك إلى الوطن ، و إنْ لم يسمح لك العمر بالعودة لأحْملّنَ رفاتك لأواريها الثرى بالقرب من شاطئ البحر حيث كنت تستمتع برؤية الميناء و الأمواج و براءة طيور النورس .
ذهبت لأغسل وجهي ، فعيناي تلتهبان من شدّة الاحمرار و في تلك الأثناء سمعت آخر شيء في عمّان ، فقد كان عبر مكبّرات الصوت : على السّادة المسافرين على متن الخطوط الجوية الملكية الأردنية في رحلتها رقم 606 و المتجه إلى البحرين و الدوحة التوجه إلى قاعة الركوب رقم 10 ، و لكنّني أجّلت قليلاً الذهاب إلى تلك القاعة لأُكْمِلَ ما بقي من فنجان القهوة ، فقد كانت الحركات السريعة للمسافرين تبدو أكثر وضوحاً فكل واحد منهم ودّع الأهل و الأحبة على أمل اللقاء بهم مرّة أخرى و قد حقق كلّ منهم الغاية التي خرج من أجلها .
لم يبقى الكثير على موعد الإقلاع ، فحَمَلْتُ حقيبتي الصغيرة على كتفي لأنضم مع باقي المسافرين في حركاتهم السريعة ، و اتّجهت مباشرة إلى قاعة الركوب و في ذهني تساؤل هل تكون هذه الرحلة بداية تحقيق الآمال و الطموحات أمْ أنّها هجرةٌ أخرى ؟ ، أصبح همّي أن أركب الطائرة لتأخذني كما أخذ بساط الريح من امتطاه إلى بلاد الأحلام ، فها قد هربت من الواقع المرير ، فهل سيكون غداً يوماً آخر ؟؟
جلَسْتُ في مقاعد الطائرة الخلفية ، لم يتأخر الإقلاع و شرع طاقم الطائرة بشرح تعليمات النجاة و بدأت الطائرة تتحرك باتِّجاه المدرج ، وقبل الإقلاع بدقائق خفتت الأضواء الداخلية و دارت المحرّكات و انطلقت بسرعة كبيرة على المدْرَجْ لمدة لا تزيد عن ثلاثة دقائق لتبدأ التحليق ، و ليقل الزمن الذي يفصلني عن تحقيق أحلامي فقط ساعتان و أكون في المنامة لتبدأ مرحلةٌ جديدة ، العزم فيها معقود على السير قدماً في بناء غدٍ أفضل .
انطفأت إشارة عدم التدخين بعد أن أخذت الطائرة مسارها في الجو و بدأ طاقم الطائرة العمل بنشاط لأجل راحة المسافرين ، نظرت من النافذة و تأمّلت اختراق الطائرة للأجواء فيال هذا الإنسان الذي تمكّن من تطويع موارد الأرض بعقله و نجح في النهاية في محاكاة الطيور التي كان يحلم بالتحليق في الأجواء مثلها فاستفز هذا الحلم العقل لينتصر الإنسان حتى على الطيور في تحليقها . و في غمرة هذا التأمل أيقظني ملاك لا أدري من أين أتى :
- عفواً أستاذ
- هل من خدمة آنستي ؟
- نعم ، ولاّعة من فضلك
- ولاّعة فقط
- نعم ولاّعة فقط ، أو معك شيء آخر ؟!!!
- نعم ، معي خيمة
صمتت و كأنّ الكلمات ضاعت من بين شفتيها ، فقد كانت إحدى المسافرات على متن الطائر الميمون ، فهي رشيقة سمراء و بريق ساحر مصدره عيناها الدّامعتان ، كانت تتحلى بجمال خلاّب ، ضاعت الكلمات من شفتيها الورديتين تاج أنوثتها الدافئة ، لم تكن تدري كيف تجيب و أخذت تدخن من السيجارة الغير مشتعلة ، و بينما كانت تنظر إليّ لاحظتُ اتساع بؤبؤا عينيها ، أشعلتُ لها السيجارة لأشتعل معها ، دعوتها للجلوس معي و الأمل يحذوني بأن تقبل الدعوة ، و بالفعل وافقت و لكنّها لم تنبس ببنت شفه ، فيالي هذه الخيمة التي أصمتت هذا الملاك ، انتهزت فرصة بدء الطاقم في تقديم وجبة العشاء لأدعوها كي نتناوله سوياً :
- عفواً آنستي هل لي أن أطلب منك شيئاً ؟
- تفضل
- أن تقبلي دعوتي كي نتناول العشاء سوياً
- بكل سرور ، يا ؟
- صابر و أنتِ ؟
- نداء
- تشرّفنا يا نداء
نبرتها كانت موسيقى هادئة ، واسْمُها لحنٌ سمفوني أبْحرَ في أعماقي ، فلا زلت أذكر آثار تلك السهام المنطلقة من عينيها لتصيب القلوب بداء العشق المحمود ، فقد كانت لهذه الفتاة جاذبية من نوع خاص :
- مسافرة إلى المنامة يا نداء ؟
- لا بل إلى الدوحة
- مقيمة مع العائلة هناك ؟
- لا و لكنني مسافرة لتغطية مؤتمر سيعقد هناك
- إذاً فأنت صحفية
- نعم
- مهنة صعبة فهي تتطلب كمّاً هائلاً من الصدق ، أليس كذلك ؟
- نعم بكل تأكيد ، فالصحفي يكون دائماً في المواجهة ، لا سيّما إنْ كان صادقاً و مخلصاً في عمله ، فنقل الحقيقة إلى الناس ليس بالمسألة السّهلة
- نعم بكل تأكيد و لا سيِّما في لبنان
- و لماذا لبنان بالذات ؟!
- لأنني أعتقد بأنك لبنانية ، أليس كذلك ؟
- لا خانتك فطنتك هذه المرة ، فأنا لست لبنانية بل فلسطينية أسكن مخيم عين الحلوة ، هل سمعت عنه ؟
- نعم ، أخبرني عنه والدي الذي اشترك في المقاومة عام 1982
- فأنت فلسطيني إذاً
- نعم
- من أين ؟
- من نفس المكان تعيشين فيه ، مكانٌ نسكنه و يسكننا فأنا من مخيّم الوحدات
- لهذا السبب أنت تحمل خيمة ؟
- نعم ، فهي التي جعلت الكلمات تضيع من بين شفتيكِ
- نعم ، فقد ضاعت الكلمات عندما تخيّلت حجم الحريق الذي ستشعله هذه الولاّعة
- بالتأكيد سيكون حريقاً هائلاً يأكل الأخضر و اليابس ، فهذه الخيمة عنوان رواية شتاتنا و تيهنا ، و أبطالها كثيرون و متجددون
تحدّثت نداء بحرقة عن هذه الرواية المأساوية و عن أهلها الذين طردهم الغزاة ليحلوا محلّهم ، أخبرتني حكاية أخيها الشهيد الذي اسْتُشْهِدَ في اجتياح العدو عام 78 ، بَكَتْ بمرارة فجُرْحُها هو نفس جرحي الذي يزداد نزفاً و عمقاً مع الأيام ، فنحن شعب لوطن رُسِمَ في خيال الشعراء و أحلام الشتات ، و تمتد حدوده من نهر الدموع شرقاً إلى بحر الأحزان غرباً ، و الذي رأى نداء و هي تطلب الولاّعة لتشعل سيجارتها لا يمكنه أن يتوقع بكائها بهذه الطريقة المؤثرة ، أمسكت يدها الدافئة بحنان و إذا بها تلقي برأسها على كتفي و كأنّها تبحث عن الأمن و الحنان المفقودين في أزقة مدن هذا العالم السخيف ، فهي تعبِّرُ عن حزن دفين يسكن عالمها اللاشعوري ، مسَحْتُ الدّموع التي ستحفر في النهاية أوديةً للأحزان على وجنتيها ، و قبّلت جبينها و مَنْ رآنا في الطائر الميمون ظنّ بأننا نقضي لحظات غرامية ، حاولتُ التخفيف من حالة الاحتقان النفسي بتغيير هذا الموضوع المؤثر :
- لم أكن أتوقع بأنّ في عين الحلوة جمالٌ بهذه الروعة
- و كذلك فأنا لم أتوقع بأن هناك في هذه الطائرة رقة و جاذبية إلى هذا الحد
- بالتأكيد فالشمس قد غابت من لبنان عندما خرجت منها و هي الآن بانتظار عودتك كي تشرق من جديد
- إلى هذا الحد يا صابر
- بل أكثر
بدا الخجل الذي منعها من إكمال الحديث معي واضحاً على قسمات وجهها الأسمر ، بدقةٍ و صمت تمعّنْتُ في وجهها لأنحته في ذاكرتي ، لم يبقى إلاّ نصف ساعة و تهبط الطائرة في مطار البحرين الدولي لأستيقظ من هذا الحلم الرائع ، فقد ربطتني معها علاقة روحية سَمَتْ على أي رغبة غرائزيّة ، لم أطلب عنوانها لأنّها سَكَنَتْ في ذلك العالم الذي يحرِّكني من حيث لا أدري ، ربّما ألتقي معها مرةً أخرى عندما يصبح الحلم حقيقة على متن أحد قوارب العودة ، و التي سوف ترسوا على شواطئ بحر أحزاننا ، و تعبر نهر دموعنا الضيِّق .
باتت لحظة الوداع وشيكة عندما أعلن قائد الطائرة عن بدء هبوط الطائرة التدريجي في المنامة ، لم أكن أدري بأي كلمات سأودّعها ، و لكنّه قدرنا بأن يكون اللقاء الأول مع من يخطفون قلوبنا هو الأخير ، تسارع هبوط الطائرة و أمْسَكَتْ نداء يدي بقوة و سألتني :
- هل تحب الشعر يا صابر ؟
- نعم و أحفظ الكثير منه
- لمحمود درويش مثلاً ؟
- نعم ، هل تبارزينني ؟
- نعم بكل تأكيد
دقائق و تهبط الطائرة ، ربطنا الأحزمة و خَفَتت الأضواء الداخلية ، و بدأت نداء بصوتها الموسيقي ترتيل المقطع الأول :
- يوم كانت كلماتي
- أحفظها عن ظهر قلب يا نداء ، كنت صديقاً للسنابل
- يوم كانت كلماتي غضباً كنت صديقاً للسلاسل
- يوم كانت كلماتي .. حجراً
- كنت صديقاً للجداول
- يوم كانت كلماتي .. ثورة
- كنت صديقاً للزلازل
- يوم كانت كلماتي .. حنظلاً
- كنت صديق المتفائل
- حين صارت كلماتي عسلاً
- غطّى الذبابُ شفتي
سمعنا تصفيق المسافرين فور انتهائنا ، ظننتهم يصفّقون لنا ، و لكنّهم صفّقوا لقائد الطائرة الذي هبط بهم بسلام ، و مع تباطؤ عجلات الطائرة بات الفراق وشيكاً ، أمسكتُ يدها و انحنيت لأُقبِّلَ رؤوس أصابعها ، و أخرجت نبضات متسارعة ترجمها لساني بكلمات :
يا نداء …
يا زهرةً حمراء …
نبتت على ضفاف نهر دموعنا …
أعِدُكِ
بأننا لنهر الدموع عابرين …
و للمخيَّمات مغادرين …
و في بحر الأحزان مبحرين
و على شواطئه راسيين
و للقدس فاتحين
و لأجراس الكنائس قارعين …
و في المساجد مؤذنين …
و للغزاة طاردين …
و للمجد و التاريخ كاتبين
و للأرض زارعين
فلا تحزني …
فلنا موعدٌ قريبٌ نكون فيه …
للنوارس مطعمين
و لميثاقنا وافينا لا ممزِّقين…
قبّلتُ رؤوس أصابعها بحرارة ، و هي انْحَنَتْ لتُقبّلَ رأسي ، و داعبت شعري بيدها الناعمة ، فاحت من فمها رائحة زيت الزيتون و الريحان و كل الأزهار التي يرويها نهر الدّموع الذي تعمّد فيه ابن البتول . عندما توقفت الطائرة نهائياً التفت عنها لدقائق لأخرج جواز سفري من جيب الكرسي الذي كان أمامي ، و عندما هممت بوداعها لم أجدها بجانبي حيث أمضينا الرحلة سوياً ، و لكن من أين ذهبت ، فكأنّها تبخّرت و تلاشت ، توقّفْتُ مندهشاً باحثاً عنها ، و سألت نفسي لماذا قبل أن تودّعني ، سألت المضيفة و أنا خارج من الطائرة :
- عفواً آنستي ، هل رأيت الآنسة التي كانت تجلس بجواري طوال الرحلة ؟
- لا سيدي لم أرى أحداً يجلس معك ، فقد كنت تجلس لوحدك طوال الرحلة ؟
- ماذا ؟!!!!!!!!!!!!!
- عفواً …
- آسف لا شيء …
نزل جواب المضيفة كالصاعقة فوق رأسي ، و لم يكن بالطبع من المناسب مناقشتها ، التفت يميناً و شمالاً باحثاً عنها في طريق خروجي من الطائرة و لكن من دون جدوى ، كان للأسف ما قالته المضيفة صحيحاً ، فيا تُرى مع مَنْ كنْتُ أجْلِسْ ، فربّما سافَرَتْ روحي و حلّقتْ بعيداً لتتَّجه إلى ذلك العالم الذي تلتقي فيه أرواح الأحبة ، فقد كانت رائعة و حُفِرَتْ ملامح وجهها الأسمر في ذاكرتي حتى أنني لا زلت أشتم الروائح الذكية المُنْبَعِثَةُ من فَمِها . يتبع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : على ضفاف نهر الدموع / رواية | السمات:على ضفاف نهر الدموع / رواية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 7th, 2006 at 7 سبتمبر 2006 8:05 ص
مدونة أسعدني حظي بتواجدي بين حروفها … ما شاء الله رائع رائع سلمت أناملك وجميل السلاسة بأفكارك النيره … تقديري العالي والعظيم