على ضفاف نهر الدموع / الجزء الأول : الحب و الرغبة / ف3

كتبهاباسم محمد فارس ، في 7 أيلول 2006 الساعة: 04:49 ص

- الفصل الثالث -
 
بَدَأَتْ إجراءات دخولي إلى الجزيرة الصغيرة فور خروجي من الطائرة ، مبنى المطار كان رائعا من الداخل و السجاد الأحمر يُعْطيكَ شعوراً بفخامة المكان ، كما أنّ موظفي دائرة الهجرة يؤكّدون بإجراءاتهم أنّ في البحرين شعباً يجيد فن التعامل مع الآخرين ، كما أنّهم بعيدين كل البعد عن مفهوم الدّولة البوليسية . لم يكن هناك متسّع من الوقت للذّهاب إلى السوق الحرّة ، فاتّجهتُ مباشرة إلى التفتيش الذي كنْتُ أعتقد بأنّه سوف يأخذ وقتاً طويلاً ، و لكن عكس ظني تماماً فلم يأخذ ذلك التفتيش من الوقت إلاّ دقائق معدودة ، فحقيبتي لم تُفْتَحْ و موظف الجمارك استقبلني بابتسامة و ودّعني بعبارة أهلاً و سهلاً ، لأجد نفسي في القاعة الخارجية للمطار حيث كانت امرأةً ذات ملامح شرق آسيوية و بيدها لوحة اسمي مكتوبٌ عليها ، توجّهت إليها مباشرةً و صافحتها و قلت لها :
 
- أنا المطلوب سيدتي فأنا صابر عوّاد
- أهلاً و سهلاً بك في المنامة ، أنجيلا رونالدو المكلّفة باستقبالك سيّدي
- تشرّفنا سيدتي
- أتمنى لك إقامة سعيدة في المنامة
- شكراً فهي ستكون سعيدة إن شاء الله
 
شعرت  بحيوية كبيرة  و برغبة قوية في العمل من أجل اكتشاف نفسي الضائعة في الأقبية المُظلِمة ، الفاصلةِ بين الأمل و الواقع . لفحني بخار ساخن عندما خرجنا من مبنى المطار و كأنني في حمام ساونا ، فقد كانت حرارة شديدة مع رطوبة عالية ، لاحظت أنجيلا تضايقي من حرارة الجو ، فقد سَبَقْتُها إلى سيّارتها ، لم تنتظر تعليقي على ذلك ، فما أنْ أدارت السيّارة إلاّ و قالت لي :
 
- نحن الآن في آخر شهور الصيف ، فلا تقلق
- و من قال لكِ بأنني قلق ؟!!
- أوكي ، هيا بنا إلى الفندق
 
لم أرغب في تأكيد ملاحظتها بأنّني سريع الأحكام ، أعرف أنّها تضايقت مني و لكنّها سرعان ما ابتسمت ليعود الدفيء إلى حديثنا ، اخترقنا شوارع المنامة النائمة ، المرصوفة بالقرب من سواحل الجزيرة الصغيرة ، فالأضواء المنعكسة من مياه الخليج تعطيها منظراً رائعاً ، أشبه ما يكون بلوحة رَسَمَتْها ريشة فنان ، يتذوّق الحضارة العصرية بإحساس مرهف . أخذت أنجيلا تسمي شوارع المنامة و كذلك مجمّعاتها التجارية و كأنّها صاحبة المكان ، سألتها بفضول :
 
- هل تعيشين هنا منذ فترة طويلة أنجيلا ؟
- نعم ، منذ عشرة سنوات
- لوحدك ؟!
- لا بل مع زوجي الذي يعمل في البحرية الأمريكية
- اعتقدت أنّكِ من شرق آسيا
- نعم ، فأصولي فلبينية ، و لكنني أمريكية
- أهلا بك أنجيلا
 
لم أتعجب كونها تحفظ المكان عن ظهر قلب ، أدارت إذاعة أف إم التي تخصص بثّها للجنود الأمريكان ، و زادت سرعة السيّارة التي كادت أن تطير ، فكأنّها ترقص ثملةً على إحدى أغنيات الغرب الأمريكي المزعجة في واحدة من حانات تكساس الشعبية ، خفّفتْ من سرعة السيّارة عندما وصلنا إلى أحد ميادين المنامة :
Go 
- صابر انظر هذا هو ميدان اللؤلؤة
- حقاً ! هل هي لؤلؤة حقيقة أنجيلا أم ماذا ؟!!!
 
ضحكت أنجيلا بقهقهة فهي لم تتوقع بأن أسأل سؤالاً كهذا ، فمن غير المعقول أن يكون هناك لؤلؤة بهذا الحجم الكبير ، و لكنني عقّبت قائلاً :
 
-   شيءٌ جميل بأن يكون لكل شعب تراث يعتز به ، فتجارة اللؤلؤ كانت من مصادر الرزق المحدودة في هذه الجزيرة قبل اكتشاف النفط
-       بكل تأكيد صابر ، و لكنك تجيد النكتة
-       نعم ، و يبدو أنني سأحفظ الكثير منها هنا
 
بدأ النعاس يتملكني ، و بدأ سلطان النوم يمارس سلطته المطلقة ، و شعرت بأن الطريق طويلة إلى الفندق فسألتُ أنجيلا
 
-       عفواً أنجيلا أعتقد أنّ الطريق إلى الفندق لا زال طويلاً ، أليس كذلك ؟
-       لا بل أنني رغبت بإعطائك فكرة أولية عن المنامة
-       شكراً أنجيلا و لكنني بدأت أشعر بالتعب
-       لا تقلق أقل من خمسة دقائق و تكون في الفندق
 
و بالفعل لم يمر إلاّ خمسة دقائق و كنت في صالة الاستقبال الخاصة هيلتون ، بفندق فقد حجزت لي الشركة غرفة فيه و ما أن انتهيت من إجراءات استلامها إلاّ و أنا أجد نفسي مسرعاً إليها فقد تملكتني رغبة قوية في النوم ، آخر لحظة أذكرها تلك الليلة و هي لحظة استلقائي على السرير الذي ما أن استلقيت عليه إلاّ و أنا أغرق في نوم عميق لم أنهض منه إلاّ بعد ظهر اليوم التالي .
 
طلبت من خدمة الغرف إحضار طعام الغداء ، فلم أشعر بالجوع في حياتي كما شعرت به تلك اللحظة ، و بعد أنْ تناولته قررت احتساء القهوة في وسط المدينة و لحسن الحظ فلم يكن الفندق بعيداً عنه ، فقد سَلَكْتُ طريق الكورنيش المقابل لبحر الخليج ، فالأمواج كانت تحاكي الجزيرة و تروي حكايات القادمين و الذاهبين ، التي كانت هذه الجزيرة هدفهم و لقمة شهية تسعى كل دولة كبيرة لامتلاكها لتضع الطرق التجارية في تلك المنطقة في جيبها .
 
تروي الأمواج حكاية ديلمون و التي وصلت إلى درجة القداسة عند السومريين ، و استمرت كذلك عند الآشوريين و البابليين ، حتى أنّ روعتها جعلت الإغريق يقطعون أعالي البحار آتين  إليها ، تقلّبت في أحضان الأمم و الشعوب الأولى حتى قبل أهلها دعوة محمّد صلى الله عليه و سلم ، لتصبح منذ ذلك الحين عربية الهوية مسلمة العقيدة ، و بقيت كذلك إلى أن جاء البرتغاليين إليها و لكنّ فظاظتهم مع شيوخ الجزيرة دفعت أحد شيوخها و هو ركن الدّين إلى مساعد الفرس في ابتلاع الجزيرة الصغيرة فأصبحت جزءاً من الإمبراطورية الفارسية إلى أن احتلّها المغامرون الإنجليز و الأمريكان ، تكلّم يا بحر و لا تخف من أحد .
 
تأمّلت تلك اللحظة الشمس التي شارفت على المغيب خلف هذه المياه المالحة لتعلن عن نهاية يوم لن يعود أبداً في منظر رائع يتكرر يومياً ، دقائق و كنت في وسط المنامة و بالتحديد عند بوابة البحرين المحاطة في البنايات الحديثة و الأسواق المنظّمة ، و لكن حرارة الجو و الرطوبة الشديدة حالتا دون إكمالي لهذه الجولة . فدخلت إلى مجمّع اليتيم الذي شهد حركة نشطة للناس ، فقد كانت تضم طوابقه مختلف أنواع المحلات التجارية ، فقد لاحظت فيما بعد أنّ ظاهرة المجمّعات التجارية متفشية بشكل ملحوظ ، و بعد جولة سريعة في طوابقه نزلتُ إلى الطابق الأرضي حيث المقهى و الذي فيه أمارس هواياتي المفضلة في مراقبة حركات بشر هذا العالم ، فقد كان ذلك المقهى أشبه ما يكون بالمرفأ ، زبائنه من مختلف الجنسيات و الأعراق فهناك الأبيض و الأسود و الأسمر و الأصفر ، إنّها البشرية في مختلف ألوان طيفها العرقي ، أتت إلى هذه الجزيرة و تجمع مندوبيها في مقهى مجمع اليتيم ، اخترت مكاناً متميّزاً يجعلني أرى جميع الزبائن الجالسين فيه و الدّاخلين إليه .
 
لم تمر سوى لحظات إلاّ و إحدى آلهة الجمال من إفريقيا الوثنية قادمةٌ نحوي فتاةٌ سوداء ، سرحتُ في قوامها تخيّلت الأفارقة يرقصون حولها قارعين لها الطبول مقدِّمين لها القرابين ، إنّها نادلة المقهى الزنجية أتت لتسألتني عن طلبي فطلبت منها إحضار فنجان قهوة تركية ، و إلى حين أن تحضرها التقطت إحدى الجرائد الموجود على الطاولة لأتصفّحها و لكنني سرعان ما أعدتها إلى مكانها فلا شيء قيها يستحق القراءة ، و لحسن الحظ لم تتأخر النادلة في إحضار القهوة التي وضعتها أمامي على الطاولة في طريقة تدل على الاحتراف .
 
أشعلتُ سيجارة و ارتشفت الرشفة الأولى من الفنجان و نفثت الدخان من فمي ، الذي خرج على شكل ضبابه دخانية و التي من خلفها ظهرت حورية أعتقد أنّها خرجت من البحر القريب من هنا ، و بعد أن تلاشت الضبابة الدخانية فركتُ عيناي من الحُرقة التي شعرت بها فاتضحت الصورة فالتي اعتقدت أنّها حورية بحرية كانت فتاةٌ قمّةٌ في الجمال فطولٌ فارع و شعرٌ أشقر يتدلى على الكتفين و عينان زرقاوان تسحران من يتأمّلهُما ، جلست في مرمى ناظري و على الطاولة المقابلة لي ، و عندما ذهبت إليها النادلة الزنجية اختلطت مقاييس الجمال كما تختلط قهوة الصباح مع الحليب فكلُّ شيء هناك لخدمة المستهلك .
 
ارتشفت القهوة و شعرت بالغيرة من الفنجان الذي تعمّد من شفتيها ، و استمتع بنعومة أصابع يديها ، ظهرت مفاتنها عندما وضعت رجلها اليسرى على اليمنى ، فالتهمها روّاد المقهى بنظراتهم التي جعلها الكبتُ و الحرمان تزداد عُمقاً و غوراً ، فكلُّ واحد منهم كان مستعداً للانقضاض عليها ، دفعتني رغبتي القوية إلى أن أكون أول المنقضين و آخرهم ، ولاّعتها الثمينة لفتت انتباهي ، توجّهتُ لأطلب منها ولعة .
 
-       مساء الخير آنستي
-       مساء الخير ، هل من خدمة ؟
-       نعم ولْعة من فضلك
-       بكل سرور ، تفضل
 
أشعلت سيجارتي و لكنني لم أُعِدها لها و عدت إلى مكاني ، كانت تتكلّم بالإنجليزية الركيكة ، و أخذت من مكانها ترمقني بنظرات تختلط فيها الحيرة بالتعجب ، سرعان ما أتت نحوي ، لم أرى أحداً في ذلك المقهى و كأننا لوحدنا في تلك الجزيرة ، لم أنبس ببنت شفه فقد كنت أريد أن تكون هي البادئة بالحديث ، و بنبرة فيها رائحة الاستياء و الامتعاض :
 
-       عفواً ، أرجِعْ لي ولاّعتي ‍‍!!
-       أووا عذراً فقد نسيتها معي              خاطبتها باللغة الروسية
-       كيف نسيتها معك ؟
-       ربّما كان جمالك السبب آنستي
-       شكراً على هذه المجاملة فأنت تجيد التحدث بالروسية
-       ليس إلى هذا الحد ، فهل أنت روسية ؟
-       نعم ، وأنت ؟
 
ارتسمت على شفتيها الورديتين ابتسامة رائعة ، فقد كانت كما توقعت فهي قادمة من بلاد الروس الباردة ، و بعد أن أعدتُ الولاّعة إليها شعرتُ برغبتها في التحدث معي ، فدعوتها لمشاركتي تلك الجلسة ، رحّبت بكل سرور و أحضرت قهوتها و حقيبتها و جلست بجواري .
 
-       من أي بلاد أنت ؟
-       أنا من بلاد تمّ تزوير اسمها في خريطة العالم ، ولكن اسمها بقي في قلوب أهلها
-       هل هذه أُحْجية ؟
-       إن كانت كذلك فهل بإمكانك حلّها ؟
-       بالطبع أستطيع ، و لكن قُل لي هل بلادك في الشرق الأوسط ؟
-       نعم
-   إذن فلسطيني فأنت تشبه أصدقائي الفلسطينيين الذين كنت معهم في جامعة الصداقة في موسكو ، فالحزن الدفين في عيونكم يلاحقكم في حلّكم و ترحالكم
-       نعم عرفتِ الإجابة يا آنسة ؟
اسمي تانيا ، و أنت ؟
-       أنا صابر
-       تشرّفنا
 
لباقتي معها كان لها الأثر الكبير في شعورها بالأمن و الاطمئنان ، فكنت كلّما أقترب منها أكثر تَشْعُر بالدفيء فتنخفض نبرة صوتها و ترتفع تبعاً لهذا الشعور ، فربّما كان السبب في ذلك هو ذلك الحزن الدفين الذي أخبرتني عنه ، أو ربّما كان شيئاً آخر لا أعرفه .
 
-       منذ متى تقيم هنا في المنامة يا صابر ؟
-       منذ ليلة واحدة فقط
-       فأنت جديد هنا
-       نعم ، و لكن كيف وجدتِ أنتِ المنامة ؟
-       لا بأس ، و لكنّها حارّة جداً ليست كموسكو فأنت تعرف موسكو جيداً
-       للأسف لم أزُرْها في يوم من الأيام ، و لكنّها بالتأكيد باردة
-       ألم تدرس في روسيا يا صابر ، فأنت تجيد الروسية بطلاقة ؟
-   لا لم أدرس فيها و لكنني تعلّمت الروسية في عمّان ، فقد كنت أرغب في متابعة دراستي هناك و لكنّ الأوضاع أصبحت سيئة في أواخر عهد السوفييت
-       و لا زالت الأوضاع فيها سيئة يا صديقي و لهذا السبب أنا هنا  قالتها بنبرة حزينة
-       و ماذا تعملين هنا يا تانيا ؟
-       أبيع الهوى و الحب بعد أن كنْت طالبة في معهد الطب فرغبتي بجمع المال جعلتني أتوقف عن الدّراسة
-       و هل جمعتِ المال ؟        سألت مستنكراً ما تقوم به من عمل مخجل
-       للأسف لا لم اجمع شيئاً
-       أتشرف بمعرفة تانيا الطالبة و ليس تانيا بائعة الهوى
 
لم تتوقع أن تَجِدَ أحداً في المنامة الضائعة يدين ما تقوم به من عمل مُخْجِلْ ، فالكلُّ يتسابق لأجل قضاء ليلة معها في سرير الهوى الرخيص ، لا أدري إن كان في هذا المجمّع سوق خاصّة للبغاء أم ماذا ، أم هل عادت تجارة الرقيق مرّةً أخرى و هذه المجمّعات هي سوق هذا الرقيق ، أم أنهّا الحرية التي فُتِحَ بابها على الغارب من غير رقيب أو حسيب ، فقد كانت أول فتاة أتعرف بها في المنامة ، ربطتني بها نوع من أنواع صداقة السفر التي تكون قصيرة و لكنّها صادقة . لم تجد إلاّ أن تعتذر عن صراحتها الزائدة و بشكل غير مباشر فقالت :
 
-       لو قلت لكَ أنني أعمل هنا مطربة ، فهل سيختلف الأمر بالنسبة لك ، أم أنّ الصراحة تكون دائماً مزعجة ؟!
-       بكل تأكيد سيختلف الأمر فمطربة ليست كبائعة هوى
 
يبدو أن صراحتها كانت الحلقة الأخير في الصراع المرير الذي كان بين تانيا الطالبة و تلك الأخرى الطامحة في جمع المال مهما كان الثّمن ، أشْعَلَتْ سيجارة و ارتشفت من قهوتها التي بردت و نفثت الدخان الذي خرج من فمها على شكل خيط رفيع ، و بهدوء بدأت تتحدث معي :
 
-   شكراً لك يا صابر على دماثة خُلُقك ، فأنت لم تطمح كالآخرين في الوصول إلى جسدي وجودي في هذه الجزيرة العائمة في بحر الظلمات جعلني أكره نفسي ، فأنا مستاءة جداً من هذه الوضعية المزرية التي أقحمت نفسي فيها ، قبل أسبوعان قررت العودة إلى الديار كي أكمل دراستي ، ترددت كثيراً و لكنني الآن مصمِّمة على العودة
-   هناك عزيزتي حقيقة واحدة ثابتة و هي أنّ الدنيا ما هي إلاّ لحظات تمر كلمح البصر ، للسعادة فيها طرق كثيرة ، فربّما تكون الطريق من خلال جمع المال أو ربّما من خلال التضحية لأجل الآخرين ، و لا يوجد شيء اسمه سعادة مطلقة ، و كلامك يدل على أنّ فطرتك سليمة ، و أتمنى لك التوفيق
 
شَعَرْتُ بضيقٍ في التنفس ، ربّما كان ذلك بسبب سحب دخان السجائر التي كادت أنْ تُمْطِرْ ، فاقترحتُ على تانيا أنْ نتجول سوياً في شوارع المنامة كي تساعدني بالتعرف عليها ، قبلت الاقتراح و خرجنا من المقهى الذي امتلأ بالروّاد . و قبل ابتعادنا عن مجمّع اليتيم ذهبت مع تانيا إلى مكتب الخطوط الجوية المصرية المنزوي في أحد شوارع المنامة الضيِّقة و الذي كان على وشك إنهاء العمل ، فقابلتنا الموظفة بابتسامة مصطنعة فأدركت عندئذ أنني برفقة ملكة الأنوثة و الجمال و التي أخذت تدور حولي راقصة من شدة الفرح لحظة إمساكها لتذكرة عودتها إلى ديارها بيدها ، و في ذروة تلك الفرحة دعتني لاحتساء نَخْبَ عودتها في أحد ملاهي المنامة الليلية ، لم أشأ إفساد فرحتها بالاعتذار كوني لا أشرب الخمور فقبلت الدعوى و اتّجهنا باتّجاه شارع المعارض و الذي في الطريق إليه شَعَرْتُ بأنني أطير كالفراشة حول مصباح ذا ضوءٍ خافِتْ وقوده زيتٌ عطري ذا رائحة ذكية و جاذبية قوية للرّغبة الجامحة التي تدفعني للالتصاق بها .
 
لم نمشي أكثر من عشرة دقائق لنكون على باب الملهى الذي لم نستطيع الدخول إليه على الفور بسبب القطيع المزعج من الفتيان و الفتيات ، سألت تانيا عنهم فقالت أنّهم من كابوي البحرية الأمريكية و سيهدءون لحظة بدئهم بالشرب ، سحقاً لهم فهم يفرضون أنفسهم كمقدّمة سخيفة لكل المواضيع ، أو يمكن اعتبارهم كوصفة طبية للتقيؤ و بالقرب من المقهى كان سائقوا سيّارات الأجرة يصطفون بانتظار زبائنهم الثملين و الذين سيدفعون الأجرة مضاعفة . 
 
دخلنا الملهى من المدخل الأشبه ما يكون بمداخل تلك الحانات التي كنّا نشاهدها في أفلام الغرب الأمريكي ، نصف باب خشبي بني اللون يتأرجح عندما يُفْتَحْ ، و على بوابة القاعة الداخلية هناك فتاة شرق آسيوية ترحّب بالزبائن و التي قادتنا إلى تلك الصالة ذات الديكورات المثيرة و التي تخلق مع الموسيقى الكلاسيكية أجواء ممتعة من نوع خاص .
 
هدوء و استرخاء غريبين شعرت بهما و نحن نجلس هناك ، فالموسيقى لحن سمفوني لتلك الكلمات التي غنّاها سميح شقير :" دخلنا الحانة أنا و صديقي لنشرب نخب عودته و ما عاد ، قتله الفقر هنا و قتله العمل هناك ، ضحكته حين ودّعني كأجراس الكنائس في ليلة العيد " . أحضر النادل قائمة المأكولات و المشروبات التي لم تسمح لي تانيا بقراءتها ، ضحكت و هي مبتهجة و بصوت مرتفع طلبت من النادل إحضار زجاجة شمبّانيا و الذي بدوره لم يتأخر كثيراً ، أقل من خمسة دقائق و أحضر لها الشمبّانيا و التي أخذت تصبّها بالكأس الزجاجي الذي كان على هيئة هرم مقلوب يرتكز على عصا زجاجية رفيعة ، و ترفع الكأس و تقول إنني عائدة إلى موسكو .
 
أبْحَرْتُ في ابتساماتها الرقيقة ، تخيّلتها و هي تشرب أنخاب عودتها ترقص البالييه على أنغام سمفونية بحيرة البجع لتشايكوفسكي ، و عندما لاحظت اقترابها من الثّمالة أمسَكْتُ الكأس من بين يديها و قلت لها :
 
-       كفى شرباً تانيا أريد التحدث معك
-   لا أعطني الكأس أريد أن أشرب ، أيام و أكون في موسكو و هناك ستحكي لي ماما حكايات ليالي موسكو الشتوية ، هيا أعطني الكأس
-       ليس قبل أن تحكي لي واحدة من تلك الحكايات
-       حكاية الدّب أم حكاية السفينة ؟
-       أعشق البحر و أحترم الدّب ؟
-       حسناً سأحكي لك حكاية السّفينة
-       تفضلي
-   في أحد أيام الخريف ، أبْحَرَتْ مجموعة من المغامرين على ظهر مركب أحمر ، و أقنعوا الركّاب بأن طريقهم ستوصلهم إلى الجنّة ، و هناك تتحقق العدالة المطلقة و المساواة فيما بينهم ، تقاسموا العمل على ظهر المركب بشرف و رضوا بأن يكونوا متساويين فيما بينهم فطريقهم هي حيث لا سلطة و لا دولة و لا فقر إنّها الجنّة ، و بعد فترة وجيزة من إبحارهم تهامس بعض الركاب سراً فيما بينهم بأن المركب لا يسير ، فبحث باقي الركّاب عن الأشخاص الذين قالوا هذا الكلام لم يجدوهم فقد تبخروا في الهواء كأنّهم لم يكونوا ، فما كان لهم إلاّ التوجه إلى مقصورة القيادة لسؤال البحّارة عن حقيقة الموقف ، وقبل أن يصلوا إليها سمعوا القبطان عبر مكبّرات الصوت يقول بأنّ المركب على وشك الوصول إلى الجنة ، و على كل راكب أن يفكر و يحلم ماذا سيفعل في الجنّة فلم يبقى متسّع من الوقت فالرحلة شارفت على الانتهاء ، فنسي الركاب زملائهم الذين اختفوا و عادوا إلى أدراجهم ، و في المساء اجتمع كل من على ظهر المركب للاحتفال بإعلان القبطان في قاعة الاحتفالات ، قُرِعَتْ كؤوس الفودكا و رقص الركاب حتى شروق الشمس . و في أحد الأيام ذُهِلَ الركاب عندما أعلن القبطان عن تغييرات ستحدث على مسار المركب ، فقد أضاعت السفينة الطريق إلى الجنّة ، تحولت حالة الهدوء التي كانت سائدة إلى فوضى عارمة ، حاول البحّارة قمع الركّاب بالقوة بعد أنْ فات الأوان ، و عندما ألقوا بأنفسهم في البحر كي ينتحروا كانت المفاجأة الكبرى عندما اكتشفوا بأنّهم كانوا يسيرون في المياه الضحلة ، و أنّ المركب لم يتحرك بل كان يهتز و هو في مكانه ، و عاد الركاب إلى المربع الأول مهزومين مذهولين ، و اكتشف الركاب بأن أولئك الذين قالوا بأن المركب لا يسير قد قتلهم البحّارة و ألقوا بجثثهم في البحر ، فانتحر من انتحر و عمّت الفوضى ، فهل تعلم يا صابر أنّك تجلس مع أحد ضحايا هذه الرحلة
-       هل تدرسين الفلسفة أم الطب ؟!
-   لا بل أدرس الطب ، و لكن المعاناة هي التي تصنع الفلاسفة ، والتي تتكاثف أفكارهم فتصبح سحباً تبرق و ترعد صاعقةً الأشرار
-       هل لنا أنْ تشرب شيئاً ساخناً تانيا ؟
-       لا عزيزي بل سنرقص و نرقص إلى أن نطير
-       و لكنني لا أعرف الرقص
-       سأعلّمك هيا بنا
 
مسكتني من يدي و توجّهنا إلى حلبة الرقص المضاءة بأضواء متعددة الألوان مصدرها كرةٌ ضوئية تدور فوق رؤوس الراقصين و الذين ترفع الموسيقى الهادئة من حرارة رغبتهم فيذوبون و يغرقون في أحضان بعضهم البعض ، إنّها السباحة في حوض الرّغبة ، و لا أدري أين كنت عن تلك الأجواء فقد أخذتني الدّراسة بعيداً عنها لم يكن الرقص صعباً فقد أخذنا نتمايل على وقع الموسيقى متعانقان مسافران إلى عالم غريب تتوحد فيه نبضات قلوبنا ، فتشعر أجسادنا بدفيء مصدره نبضات قلوبنا ، لم أشعر بالوقت و أنا أرقص معها و لم أستيقظ إلاّ بعد أن حلّت الموسيقى الصاخبة محلّ تلك الهادئة ، فعُدنا إلى الطاولة كي نتناول طعام العشاء .
 
خرجنا في ساعةٍ متأخرةٍ من الملْهى ، و بينما كنّا نسير على كورنيش المنامة التصقت أجسادنا ببعضها ، إنّه شيطان الرغبة الذي طالما حاربته يحاول افتراسي ، و لحسن الحظ حالة الإرهاق التي كُنْتُ أعاني منها حالت دون وقوعي في براثنه ، هبّت نسمات الفجر المعطّرة بعطر تانيا و أخذت تغيّر ملامح وجهي القمحية ، و مع انعكاس خيوط الضوء الأولى من مياه الخليج الراكدة و إذا بالتعب الشديد يتملكني فالليلة الفائتة كانت بيضاء ، و لكنّ تانيا لم تكن متعبة فقد دعتني لأتناول طعام الإفطار في بيتها ، و باعتذاري بدت على وجهها علامات الاستياء ، تداركت الموقف و أمسكت بيدها و قلت لها :
-       هيا بنا سأوصلكِ إلى بيتك
-       نعم ، هيا بنا أيّها القديس الوسيم
 
و لحسن الحظ لم يكن بيتها بعيداً ، و عندما وصلنا إلى البناية حيث بيتها ، توقفنا و تبادلنا نظرات الوداع ، لم ننبس ببنت شفه ، و لا زلت أذكر تلك الابتسامة التي قفزت من عينيها ، و ألحقتها بعناقي و لم تنسى قبلة الوداع التي طبعتها على جبيني . اللقاء الأول معها كان الأخير صداقةٌ صادقة ربّما لأنّها عابرة ، لم ألمحها لاحقاً في المنامة ربّما تكون فعلاً قد عادت إلى بلادها . و عدت إلى الفندق بعد تلك الليلة البيضاء التي اجتمعت فيها كل عناصر الجمال لأنام نوماً عميقاً .
 
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : على ضفاف نهر الدموع / رواية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “على ضفاف نهر الدموع / الجزء الأول : الحب و الرغبة / ف3”

  1. رائع .. وكلمة الروعة تقل عما يجب أن يوصف به قلمك أخي الفاضل … متتبعة بكل الشوق ما سوف يسطره لنا مداد من تبر … تقديري



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر