يوم احترقت مِنِى في موسم الحج عام 1996
كتبهاباسم محمد فارس ، في 7 أيلول 2006 الساعة: 05:39 ص
مع اقتراب موسم الحج
تدمع عيني في كل عام و أنا أشاهد الحجيج و هم يتّجهون إلى المشاعر المقدّسة في يوم الثامن من ذي الحجة و هو يوم التروية الذي يسبق يوم الحج الأكبر أي الوقوف بعرفة ، لأنني أعلم أنّ هناك ثمة مصيبة من المرجّح أن تحدث فتحصد حياة العشرات منهم إن لم نقل المئات ، فلا زلت أذكر ذلك اليوم المريع و هو يوم التروية سنة 1996 ، يوم احترق أكثر من 700 حاج و حاجة ، في ذلك اليوم كنت قد وصلت أنا و أصدقائي إلى مِنى حيث توجهنا إلى مسجد هناك يطلقون عليه اسم جامع الكويتيين حيث جلسنا فيه و بدأنا بقراءة القرآن ، و قبيل الظهر بقليل بدأنا نسمع أصوات الحجيج و هم يدعون اللهم أنزل المطر ، لم أفهم أنا و أصدقائي ما الذي يحدث خارج المسجد ، و مع مرور الدقائق أخذت مشاعر الرعب و الخوف تظهر على وجوه من كانوا في الداخل ، فقررنا أن نخرج من الجامع لنعرف ما الذي يحدث في الخارج ، و عندما خرجنا كانت السماء تغطيها سحب سوداء كثيفة و الحجيج يركضون في كل الاتجاهات تتملكهم مشاعر الرعب و الخوف ، فرائحة الموت انتشرت بسرعة البرق و امتلأت منى بالصراخ و زفير النيران المندلعة كان بمثابة موسيقى تصويرية لمشهد الموت الجماعي المريع
ركضت أنا و أصدقائي و اتّجهنا إلى أحد الجبال القريبة منا ، و في طريق الهروب ، مشاهد مؤلمة قد حُفِرَتْ في الذاكرة ، جثث محترقة ، و رجال و نساء كبار في السن، ملأهم الخوف و الرعب ، منهم من تمكّن من الهرب و منهم من استسلم للنيران ، ليلقى وجه ربه ، و عندما بدأنا بصعود الجبل كنا نسمع أصوات انفجارات جرار الغاز الكبيرة التي تناثرت شظاياها لتزيد الطين بلة ، في ذلك اليوم انتابني شعور بأن الموت قد اقترب و لم يبقى لي إلاّ لحظات و تلتهمني النار ، أو شظية طائرة من جرار الغاز المنفجرة تخترق جسدي و ترديني قتيلاً ، استمريت بصعود الجبل مُخْتَرقاً سحب الدخان ، و عندما بدأت أرى زرقة السماء أدركت بأنني قد نجوت من الموت بأعجوبة ، و لم أرى أصدقائي الذين لم يتمكنوا من إكمال الطريق و لكنّهم أيضاً نجو
و هناك على قمة الجبل بدأت أرى منى الملتهبة و المنكوبة ، و بعد أن أكلت النيران كلّ شيء أخذت بالانحسار تدريجياً إلى أن انطفأت ، و بعد تلاشي الدخان نزلت من الجبل ، لتبدأ المأساة بأخذ شكلٍ آخر ، فقد رأيت شيخاً مغربياً طاعناً في السن يتكئ على عصى و يرتدي ملابس الإحرام البيضاء المتّشحة بالسواد و التي تفوح منها رائحة الحريق ، رأيته ينادي " وينك يا حاجة راكي رحت بالعافية" و العافية هي النار باللهجة المغربية ، فقد فقد زوجته في الحريق و لا يعلم أين هي ، رحمة الله الواسعة تمثّلت في عدم وصول كل الحجيج إلى منى فقد كانوا في الطريق ، فلو بدأ الحريق بعد ساعتين لكانت هذه الكارثة فريدة من نوعها لم تشهد الإنسانية لها مثيلاً ، و مرّت تلك الليلة الثقيلة التي قضيتها مستمعاً لمآسي الحريق المحزنة ، و في الفجر توجّهنا إلى عرفة و في اليوم التالي بدأ العيد الذي لقضائه كان لا بدّ من الرجوع الحزين إلى منى المحترقة و التي كان لا بد من قضاء يومين آخرين فيها لرمي الجمرات ، و موقع الجمرات هذا عادة ما يكون ساحى أخرى للموت الجماعي بسبب سوء إدارة الحشود
و بعد سرد هذه الشهادة أري من الضروري ذكر بعض الملاحظات ، فقبل الحريق عندما كنت أتجه إلى جامع الكويتيين لاحظت الجرار الكبيرة لغاز الطهي و التي كانت السبب في اندلاع الحريق ، و رأيت الخراف المعدّة للذبح ، و هنا أسأل ألا يستطيع أولئك الناس أن يصبروا قليلاً و يتوقفوا عن التهام الطعام الذي يبدو أنّهم لا يعرفون غيره في الحياة ، فقط عليهم أن يتوقفوا عن الطهي و أكل اللحوم لمدة ثلاثة أيام فقط ، و اين هي ثقافة الحج التي توضح و تشرح فلسفة المبيت في منى ، فمن الممكن أن تكون منى مكاناً رائعاً للتخييم و التعبد
فالمشاكل و المآسي التي تحدث في الحج تعود لسببين رئيسيين على الأقل و هما : غياب ثقافة الحج و سوء إدارة الحشود ، و لكن لا بدّ من الإشارة إلى ضرورة الاستعانة بذوي الكفاءة في هذا المجال ، و أخيراً و لكي تكتمل الشهادة تجدر الإشارة إلى أن السلطات هناك تبذل مجهودات كبيرة لإنجاح الموسم و لكي تمر أيام الحج بسلام ، و الزائر إلى البقاع المقدّسة يلحظ الاهتمام الكبير الذي تبديه السلطات للمشاعر المقدّسة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : منوعات | السمات:منوعات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 7th, 2006 at 7 سبتمبر 2006 7:57 ص
تقديري لكل حرف سطر بمدونتك وليس هذا المقال الفاضح لإستهترار البعض بأرواح الناس وكذا لعدم ثقافة الكل … أو لعدم توغل الإيمان بالقلوب … أو لمن يسعى للتكسب دون مراعاة الله فيما يعمل …. المهم أن رحمة الله أوسع وأرحب بعباده من العبد لذاته … تقديري وكل عام وانتم بخير أعاده الله علينا وعليكم باليُمن والبركات