الفجر القادم

يسعدني أن أبدأ الكتابة في هذه المدونة و التي أتمنى أن تنال إعجابكم ، سأنشر في هذه المدونة الرواية و المقالة السياسية الناقدة لواقعنا المضاءة بشعاع الأمل ، فأتمنى أن تكون هذه المدونة هي المحطة التي أقف عندها في انتظار الفجر القادم بمشيئة الله

الجمعة,أيلول 08, 2006


- الفصل الخامس -

 

كنت على وشك مغادرة مكتبي في ذلك اليوم ، و لكنّ التي دخَلَتْ داهمت أعماقي و هزّت كل المشاعر المدفونة بداخلي ، فالأشعة المنبعثة من عينيها و حرارة جسدها الذي تعرّى في خيالي أذاب الكتل الجليدية الصّلبة التي كانت تتكتّل فوق قلبي و مشاعري ، الجليد الذائب تحوّل إلى طوفان هائج حطّم السدود و الحواجز و حملني نحو الأودية التي أصبحت سيولاً جارفة تبشِّر الأرض العطشى بربيع أخضر و لكن ماذا فعلت هذه السيول ؟

 

فَتَحَتْ الباب من دون حتى أنْ تقرعَهُ ،  ارتبكتْ و تلعثَمتْ  عندما تعانقت نظراتنا ، لحظاتٌ جلّلها الصمت المطبق و لكنّها ابتلعت هذا الموقف بضحكةٍ ناعمة و حادّة و بدأت الكلام :

 

-       لماذا كل هذا الغضب سيدي ؟!!

-       و لماذا الغضب آنستي ؟ هيا تعالي

 

أقْبَلَتْ نحوي بخطوات واثقة و مع كل خطوة بدأت تتعرى في مخيِّلتي شيئاً فشيئاً ، و ما أنْ وقَفَتْ أمامي إلاّ و كان بإمكاني وصفُ تضاريس جسدها و نتوءاته كما لو أنّها كانت عارية فعلاً و تهت في تلك التضاريس ، لم أكن أعلَمْ ما الذي دهاني تلك اللحظة فهل هو الحبّ الذي أبحثُ عنه و قد ظهر الآن صدفةً أمامي و قد وقعت فيه من النظرة الأولى ، و هل هذه التي تعرّت أمامي تكون تلك الخنساء التي عبثاً حاولت البحث عنها في الكهوف المرصودة تارةً و في أزقة المدن المزدحمة تارةً أخرى ، فالخنساء تستحق بالفعل كل ذلك العناء كيف و هي من طرّزت بيديها أكفان أبناءها الأربعة و الذين استشهدوا في قادسية الفتح .

 

جلست أمامي و تحدّثت عن البضائع التي تريد متابعة شرائها من الشركة ، فقد كانت تعمل كسكرتيرة تنفيذية لأحد الشركات التسويقية ، كان بإمكاني إنهاء الموضوع مباشرة و لكن رغبتي في رؤيتها مرّةً أخرى حالت دون حسم الموضوع .

 

-       عذراً آنستي و لكن كما تعلمين فقد انتهى العمل اليوم و بإمكانك أنْ تأتي غداً لمتابعة هذه المسألة

-       أوكي أستاذ ؟؟

-       صابر ، و أنت ما اسمك ؟

-       ندى

-       تشرّفنا        و صافحتها

 

و غادرتْ المكتب بعد أن تمكنّت من إخراجي من حالة الفراغ التي أرْهقَتني إلى حالةٍ أخرى ، حالة جديدة لم أعرف مثلها من قبل فقد اختلطت مشاعر كثيرة مع بعضها ، و عندما خرجت من الشركة وجدتُ الدنيا أزهى و أجْمل ، أضواء المدينة و طيور الحمام التي صادَقُتها و الناس عناصر جديدة دخلَتْ لترسم لوحةً جميلة ، فكم من طاغية تحوّل إلى داعيةً للسّلام بعد أن شعر بالحب ، و في مقهى اليتيم لم أعُد أراقب النّاس ، فقط أدخّن و أشرب القهوة ، و الغريب في الأمر هو أنّني لم أستطع استحضارها في خيالي ، فقد كان جسدها الذي تعرّى في خيالي يبتعد شيئاً فشيئاً حتى تلاشى ، و لم يبقى إلاّ تلك الحالة الرومانسية التي فجّرت طاقاتي المدفونة .

 

و في اليوم التالي أتتني قبل نهاية الدّوام بساعة فقط ، و عندما رأيتها تعانقت نظراتنا بشكلٍ أعنف و أعمق من المرّة السابقة ، و سادَ الصّمت و تبادلنا النظرات الجريئة ، شعرتُ بجوع من نوع آخر و برغبةٍ جامحة في عناقها ، و من دون وعي بدأت الحديث معها بسؤال :

 

-       آنستي ، هناك نبتةٌ لا أعرفها نبتَتْ في حديقة بيتي و لا أدري ما هي ، فهل أقتلعها أم ماذا؟

-       لا يا صابر ، لا تقتلعها بل عليك أنْ ترويها

 

نهضت من على مكتبي و جلست بالقرب منها لأراها عن قُرْبْ ، فقد كانت ترتدي بنطلوناً أسوداً ضيِّقاً ، و كذلك قميصاً أسود يظهر منه انثناءات نهديها ، و كانت تغطي شعرها بمنديلٍ أبيض و قد عرفت أنّه أسود سميك بعد أن هربت منه خصلةٌ من تحت الشال كي تجعلني أراها ، و عيناها الدّامعتان ترويان حكاية شوق لجسدٍ متناسق أتمنّى الذوبان و التلاشي فيه .

 

أعطيتها الإذن الخاص باستلام البضاعة ، ولكنّها لم تقرأه و وضعته في حقيبتها الصغيرة ، و كأنّها كانت تنتظر مني شيئاً آخر ، و أمّا أنا فكم كنت أرغب في مسك يديها برفق و تنهدنا سوياً و كأنّ أرواحنا التقت و لم يبقى غير لقاء الأجساد و ما كان باستطاعتي كبح هذه الرغبة سألتها :

 

-       هل أنت بحرينية يا ندى ؟

-       لا أنا من عمّان ؟

-       و أنا كذلك

-       و ما الذي أتى بك إلى هنا ؟‍!

-       ألا يستحق لقائي معك آنستي أن أقطع البحار و الصحاري و آتي زاحفاً ؟!

 

رمَقتني بنظرة غريبة و أخرجت رأس لسانها من فمها ، لم أستطع تلك اللحظة ترجمة تلك الحركة ، و تعانقت النظرات المجنونة و الأجساد العطشى على سرير الخيال ، و أمسكت يدها التي كانت باردة و فركتها برفق :

 

-       ندي ، يدك باردة !!

 

تنهدّت و أرْخَتْ يدها في يدي ، فتسارع الشوق و الحنين إلى اللقاء ، كان حبّها كالكرة الثلجية ما تلبث أنْ تكون صغيرة حتى تكبر عندما تبدأ بتدحرج باتّجاه الأودية السّحيقة و عندما دعوتها إلى اللقاء في مكان عام تنهدت و استنشقت الهواء بعمق حتى ظننتها ستعتذر و تتمنع و لكنّها وافقت على الفور ، تدحرجت نحوي كالكرة الملتهبة فأذابت الحواجز الثلجية التي كنت أعتقد أنّها إسمنتية ، فانهارت الحواجز الواهية التي منعتني لفترة طويلة من الانزلاق في براثن العلاقات الغرامية .

 

أعطتني انطباعاً بأنني الشاب الأول الذي تخرج معه في ذلك اليوم الذي التقينا فيه في مقهى المدينة الذي يجتمع فيه الفتيان و الفتيات ليختلس كل واحد منهم لمسة دافئة من الحبيب أو الحبيبة أو ربّما قبلة خفيفة ، اخترت موقعاً في الصفوف الأخيرة كي أشعر بأننا لوحدنا نستمتع في همساتنا و لمساتنا ، فقد كانت طاولتنا الصغيرة بنية اللون كما أنّ ديكورات المقهى كانت تعطي للمكان إضاءة متوسطة و تكتمل الأجواء بالموسيقى الهادئة الغير مصحوبة بالغناء و التي تجعل همسات العشاق تتراقص على أنغامها ، في سمفونية التحرر من القيم و الأخلاق الشرقية و للأسف كنت أنا المايسترو في ذلك اليوم ، فكم كنتُ أمْقُتُ الفتيان والفتيات الذين يضيعون أوقاتهم في التسكع في المقاهي و الحدائق العامّة فها أنا قد غدوت مثلهم لا بل أكثر منهم ، و بالفعل انطبق عليّ المثل الشعبي :" هجين و قع بسلة تين " .

 

لم يعد باستطاعة النظرات الجريئة إطفاء ظمأ الشوق في المقهى ، بل تعدّت إلى اللمسات و اقتراب الأجساد من بعضها ، فقد كانت يداها باردتان و عيناها تائهتان و أصابعنا متشابكة و كأنّنا نريد الذوبان لنكون جسداً واحداً ، وهمست في أذنها :

 Go

-       كم أرغب بعناقك و لكنني أخاف عليك إنْ فَعَلت

-       أمّا أنا لو عانقتُك فستنكسر ضلوعك بين ذراعي

 

و اشتعل اللقاء بمثل تلك الكلمات الجريئة و التي كانت تخرج من أفواهنا كالحمم البركانية الخارجة من أعْماق الأرض بعد كبتٍ طويل . و غابت شمس ذلك اليوم و نحن في المقهى الذي لم يعد قادراً على احتواء حبّنا ، فخرجنا من المقهى متعانقان يدي اليمنى تلتف على خاصرتها ، حتى أنني لم أعد أكترث للعادات الشرقية عكس جنود البحرية المرغمين على احترام مشاعر السكّان المحليين ، و بالفعل فقد انفجر البركان و ما من أحدٍ باستطاعته أن يقف أمامه و يمنعه من قذف الحمم .

 

أوقفت لها سيّارة أجرة و ودّعتها بقبلتين خفيفتين على الوجنتين ، و عندما مشيت بمفردي سمعتُ صدى صوت و كأنّه صوتي يناديني من بعيد و يقول : أيّ طريق تسلكها يا صابر ؟!! ، أنسيت لون شعرك الفحمي ؟!! ، اتق الله في نفسك يا رجل ، لا أدري إنْ كنت قد اغتربت عن نفسي أم ماذا ، ألم أعد صابر ؟! ، وجدت نفسي أمام أسئلة كثيرة بعد لقائي الأول معها  و لكنّها كانت تجربةً ما كان باستطاعتي تفاديها ، و من بين هذه الأسئلة لماذا لم ترتبك إنْ كنتُ أنا الشاب الأول الذي تخرج معه ، فهي لم ترتبك بل كانت جريئة جداً ، عكس نظرتي بتلك الفتاة الشرقية المسكينة و الرقيقة و التي يقع على عاتقها حفظ شرف القبيلة، رغباتها تُكْبَتْ و إرادتها تُسْحَقْ فقدرها أن تكون في مواجهة الأعراف البالية لمجتمع سخيف مُتَأسْلِمْ بعيد كل البعد عن التعاليم الدينية يغضب و يرضى و ينسى بسرعة ، فإذا تمردت الفتاة الشرقية فسيكون تمردها مغامرة لا يمكن توقع نتائجها . أمّا ندى فلم يكن في ذهنها أنّها جزء من هذا الواقع فقد كانت صرخة مدّوية في وجه المجتمع بشكلٍ لم أستطع استيعابه ، فمواجهة الأعراف البالية لا يكون بالتمرد على الدّين و الثقافة بل بالعودة إليه لتعرية هذا المجتمع الغير ناضج . فماذا أريد منها ؟! و هي ما الذي تريده مني ، هل حقاً هي تحبِّني و أنا أُحُبّها ، و هل انْقلَبتُ على المجتمع بالرغم من اعتزازي بالثقافة الشرقية ، فأنا لا زلت أنا ذلك الشاب الحالم في غدٍ أفضل ، و الخيال واسعٌ وِسْعَ هذا الكون و لكنّ الواقع ضيِّقٌ كضيق ثقب الإبرة ، فهذا الجسد الذي تَسْكُنُهُ روحي يعيقُ حركتي فكيف لي أنْ أُطْلِقَهُ إلى عالمٍ آخر ، عالمٌ تلْتَحِمُ فيه الإرادة الصّلبة مع الواقع المرير في معركة ملحمية الانتصار فيها يعني تحقيق الإنجازات و المثل الإنسانية العليا و القضاء على مظاهر التخلف الاجتماعي التي حوّلت بدورها اللصوص و قطاع الطرق إلى فُرسانٍ لهذا المجتمع السّخيف ، معركةٌ يغني فيها كل شاب و شابّة تلك الكلمات العذبة لسميح القاسم :

منتصب القامة أمشي

مرفوع الهامة أمشي

في كفي قصفة زيتون

و على كتفي نعشي و أنا أمشي

في قلبي قمرٌ أخضر ، في قلبي بستان

فيه العنبر فيه الريحان

 

وصلتُ البيت مبتلاً بسبب رطوبة الجو التي كانت عالية جداً ، و على الفور أخذت دشاً بارداً ، و بعده جلست أمام شاشة التلفزيون لأبحث عن محطةٍ تلفزيونية تستحق المشاهدة ، و على معظم الشاشات كان أشباه الرجال و أشباه النساء يرقصون أمام الكاميرات مثيرين مشاعر القرف في نفوس المشاهدين الذين أدْمنوا الاستماع إليهم ، إنّها حقاً ترجمةٌ فورية لواقع الهزيمة التي نعيشها . و في آخر محاولة استوقفتني محطة كانت تبث أغنية للسيّدة أم كلثوم و التي يرقص على صوتها الخيال و الواقع :

 

يا فؤادي لا تسل أين الهوى           كان صرحاً من خيالٍ فهـوى

اسقني و اشرب على أطلاله           و اروي عني طالما الدّمع روى

 

أثناء غناء السيّدة لهذا المقطع تذكّرت ندى و التي هممت بالتكلّم معها و لكنّها سبقتني ، رنّ الهاتف :

 

-       هالوا

-       هالوا صابر هل وصلت البيت ؟

-       أظن أنني قد وصلت

-       ما رأيك في لقاء اليوم ؟

-       أدائك كان رائعاً

-       أنت لم ترى شيئاً بعد

-       الأيام سترينا

-       قل لي صابر هل تسكن لوحدك ؟

-       كنتُ وحيداً ، و لكنّك الآن معي

-       هوووو شكراً صابر

-       قولي لي ندى متى سنلتقي مرّةً أخرى ؟

-       غداً إذا أحببت

-       في نفس المكان ؟

-       لا في مكان آخر

-       إذن غداً سأتصل بك لأخبرك أين سيكون اللقاء

-       أوكي اتفقنا

-       تصبحين على خير

-       تلاقي الخير ، مع السّلامة

 

كان لقائنا الثاني في أحد الصالونات الفخمة ، حاولَتْ أن تبدوا جدّية بابتعادها عني ، و لكن عندما أدْرَكَتْ عدم اكتراثي بها اقتربت و التصقت بي فأصبحنا كتلة ألهبتها الرغبة و جعلتها تشتعل ، همست في أذني :

 Go

-       أنا خائفة يا صابر

-       ممّا خائفة يا حياة صابر ؟

-       من المجهول

 

و ازدادت التصاقاً بي ، لمست وجنتيها و اقتربت بوجهي نحوها أغمضت عيني و لم أشْعُرْ إلاّ برطوبة شفتيها ، لم يكن بودي تقبيلها فقد كانت المرّة الأولى التي تقبّلني فيها فتاة ، فالقبلة كانت خفيفة و لكنّها نسفت عذرية العلاقة . أدْمنت هذه القبلات التي تناغمت مع معزوفات البيانو ، فاشْتَعلَتْ الرّغبة و لم يعد الحياء يمنع جرأة هذه القبلات التي كانت تحت الشّمس و بين الناس ، شعرت نفسي عارياً و لكنني لم أتراجع و استمريت بالعوم في هذا المستنقع ، و في ذروة اللقاء طلبت مني تحديد شكل العلاقة ، فقلت لها بأنّ الحب هو أسْمى المشاعر الإنسانية و به استطاع الإنسان الانتصار على التحديات التي واجهته ، فاقتربت منى و أعطتني قبلةً أخرى أكثر دفئاً من الأولى ، فلم أستطع الصمود أمام تلك القبلات فأعطيتها عهد الارتباط فكافأتني بقبلة عميقة جداً استغرقت برهة من الوقت و كانت خاتمة اللقاء الثاني .

و نحن نقف في الشارع بانتظار التاكسي :

 

-       نسيتُ أنْ أُخْبِرَكَ شيئاً صابر

-       ما هو حبيبتي ؟

-       عيد ميلادي السبت القادم

-       و اللهِ ؟

-       نعم

-       إذن سنحتفل في هذه المناسبة الخميس القادم ، اتفقنا ؟

-       نعم ، اتفقنا

 

انجرفتْ مشاعري معها بسرعة و بشكل لم أكن أتوقعه فها أنا قد اعتدت عليها و كأنّ حبّها أو قبلاتها كانت نوعاً من الإدمان ، توجّهتُ إلى البيت لأخْلُدَ إلى النوم فقد تملّكني الإرهاق و ألمٌ غريب في الظهر ، و قبل النوم كنت أسمع همساتها في أذني إنّه الطوفان الذي لم تستطع العادات الشرقية الصمود في وجهه و لا أدري إنْ كانت هي الخنساء  أم العنقاء  .

 

في اليوم التالي تضاعفتْ روحي المعنوية بعد أنْ وصلني كتاب شكر من مجلس إدارة الشركة تقديراً منها على المجهود الذي أبذله و النجاح الذي حققته في الشركة خلال الفترة الماضية ، ازددت استقراراً في العمل الذي أعطاني الاستقرار النفسي و المادّي ، و بعد انتهائي من العمل يوم الأربعاء توجّهت إلى السوق مباشرة لأشتري هدية لندى بمناسبة عيد ميلادها العشرين .

احتَرْتُ كثيراً بعد جولة طويلة في السوق بين خيارات متعددة فهل أشتري لها كتاباً أم قطعة ذهبية أم شيء آخر ، و في النهاية استقرّ رأيي على أن أشتري لها نوعاً فاخراً من العطور فهي تقدّر هذا النوع من الهدايا ، فاتّجهت مباشرةً إلى الحوّاج و هو من أكبر و أشهر محلاّت بيع العطور في المنامة ، فتحت الباب الزجاجي فلفحني هواء بارد معبق بالرائحة الطيّبة للعطور التي كانت رائحتها من البائعات الآسيويات ، احترت في الاختيار بين الأنواع المختلفة من العطور فطلبت مساعدة البائعة :

 

-       عفواً آنستي ، هل من خدمة ؟

-       نعم تفضل ، بكل سرور

-       أرغب في شراء عطر نسائي فاخر                    عرضت أنواع كثيرة من العطور

-       في أي نوع تنصحينني ؟

-       صاحبة الهدية متزوجة أم آنسة ؟

-       هل بإمكانك إعطائي خيار ثالث ؟

-       نعم ، عاشقة

-       هي كذلك

-       أنصحك بهذا النوع

 

اشتريتُ هدية لندى و خَرَجْتُ من الحوّاج و اتّجهت إلى المقهى في مجمّع اليتيم لاحتساء القهوة و في المقهى كتبت لها خاطرة  أرْفَقْتُها مع الهدية و من بين ما قلته فيها :

 

حلوتي

يسعدني في يوم ميلادك أنْ أكْتُبَ هذه الكلمات التي خَطَرَتْ في بالي في الوقت الذي لا زلت فيه أذكر تلك القبلة العميقة التي أعطيتني فيها سرّ الحياة أدركت يومها ، كم هي معقدةٌ المشاعر الإنسانية عندما يختلط الحبّ بالرغبة ، آمل أن أجد فيكِ القلب الحنون و العقل الراشد و الأنوثة الخلاّبة .

حبيبتي

كمْ ثَقُلَتْ هذه الكلمة على لساني و لكنني قلتها لك ، فشَعَرْتُ بآلامك و أحزانك ، أدْركتُ أنّ هذه الكلمة صعبة جداً و تطبيقها أصعب من قولها ، فعندما أنظر في سواد عيناك فكأني أنظر إلى البحر يخاطبني و أُخاطِبَهُ في لغة الشوق و الأمل و الحنين لأضّمه فيغسل ما علق بي من خطايا و آلام .

مولاتي

عندما ألْمُسُ جسدك و أُبْحرُ في تضاريسه الفاتنة فكأني أعوم في بحر الشوق و الحنين ، فيا ليتني كنت شاعراً لأكْتُبَ إلياذة حبي لك ، أو نحّاتاً لأصنع تمثالاً لك ليتخذه الناس رمزاً للجمال ، لا بل رسّاماً لأرْسُمَ وَجْهك مكان شروق الشّمس وقت غروبها ليكون نوراً و ضياءً عندما تغيب .

               المخلص

 

لم يبقى من القهوة إلاّ القليل في قاع الفنجان ، وفجأة داهمني إحساس غريب تفوح منه رائحة الشك ، نظرت في قاع الفنجان و إذا بي أتخيل ندى تغرق فيه ، فما الذي حصل ؟ فلم أرى منها شيئاً مشيناً ، سمعت ذلك الصوت الذي أتاني قبل أيام و لكنّه في هذه المرّة كان أقوى فقال لي : ولكنك لم تخترها و لم تقم بمراقبتها ‍‍!! ، و يحك يا رجل هل تريدني أنْ أتحول إلى مخبر أقوم بمطاردتها في كل مكان ؟!! اختفى ذلك الصوت كما ظهر فجأة و لكنّه لم يجب على سؤالي ، فأشعلتُ سيجارة أُخْرى و نفثتُ الدخان داخل الفنجان فلعل رشفة القهوة المتبقية تسخُن أو لعلّ ندى تختنق داخل الفنجان قبل أن تغرق في حثالة القهوة ، و من السيجارة المنتهية أشْعَلتُ سيجارةً أخرى فها هو التدخين قد خرج عن نطاق السيطرة . أرهقني التفكير إنّها بذرة الشك التي تنبت بسرعة فتتحول إلى شجرة كبيرة و ما تلبث أن تبدأ بإلقاء ثمارها فالتعب و القلق و الترقب و الإرهاق و فقدان الثقة بالنفس من بين ثمارها السيئة ، فاتّجهت مباشرة إلى البيت لأجد جرس التلفون يرن  .

 

-       هالوا

-       نعم صابر أين كنْت من ساعة و أنا أحاول الاتصال بك

-       أهلاً ندى ، كنت في السوق

-       هل أنت متعب ؟

-       قليلاً ، و لكنني ارتحتُ عندما سمعت صوتك

-       أحبّكَ يا صابر

-       و لكن أنا أحبّكِ أكثر

-       ليس أكثر مني

-       بدأت الخلافات بيننا

-       فلنتفق ، خليك معي لحظة على الخط

 

لا أدري أين ذهبت و لكنّها لم تتأخر و إذا بي أسمع عبر الهاتف أغنية جميلة تبدأ بـ اختلفنا مين يحب الثاني أكثر ، كلمات جميلة كان تأثيرها كتأثير الكحول على الجرح ، و بعد أنْ أسْمَعَتني بعض المقاطع سألتني :

 

-       شو رأيك ؟

-       أغنية جميلة

-       آخ يا صابر لو كنت أمامي الآن

-       ماذا ستفعلين ؟

-       سأمزّق شفتيك فقط

-       أمّا أنا فسأجعَلُكِ تصبحين أمّي في الرضاعة

-       صابر أبي ينظر إليّ هيا مع السّلامة

 

اشتعلتُ بعد هذه المكالمة بعدما داهمني ذلك الصوت من جديد و الذي أشْعلَ حريقاً في رأسي فقد قال لي و هو يقهقه من شدة الضحك : تباً لك مسرحية خليعة ، سألته كيف لك أن تقول ذلك فأنا أحبها بعمق ، اختفى كما ظهر ليترك الحريق يتأجج و يزداد اشتعالاً ، و كلّما سألت نفسي هل أرضى أن يكلّم أحد أختي كفاح بهذه الطريقة ؟ تضاعف الألم فسُحْقاً لهذا السؤال الذي كانت إجابته لا و لا يمكن ، خرج الرفض من فمي كبيراً و مدويّاً ، لا أدري لماذا هذا التناقض أطفأت السيجارة و غرقت في النوم .

 

نهضتُ من النوم في ساعةٍ متأخرة فأسْرَعت بالخروج للقاء ندى ، و لسوء الحظ كان هناك حالة من الازدحام المروري أعاقت وصولي فقد تأخّرت عشرة دقائق ، دخلت إلى المقهى و كانت بانتظاري و عندما رأتني نظرت ساعتها و هزّت برأسها تعبيراً عن انزعاجها لعدم وصولي في الموعد المحدّد ، سلّمتُ عليها مقبّلاً خدّيها و رؤوس أصابع يدها اليمنى ، كانت تجلس على نفس الكنبة البنية الفخمة و التي احتضنت لقائنا السابق ، كان المقهى شبه فارغ إلاّ من بعض العشّاق و عازف البيانو الذي بدأ بعزف المقطوعات الموسيقية العالمية ، إنّها بالفعل أجواء تلهب المشاعر و تؤجج الرغبة ، شعرت بأنني لا أملك مفردات تعبر عن حجم اشتياقي لها و كأن الكلام قد انتهى وقته فالاشتياق الذي كان لم يكن بحاجة إلى كلام منمّق ، إنّها بالفعل أجواء تلهب المشاعر و تؤجج الرغبة ،  إنّه اشتياق من نوع خاص لا يشبعه إلاّ لمس الحبيبة و اقتناص ما يمكن منها من قبلات عميقة و بمقدار ما تسمح به طبيعة المكان فتعانقت أصابع أيدينا و اقتربنا من بعضنا أكثر حتى أنني لا زلت أذكر تسارع دقّات قلبها اقتربت مني و همست في أذني :

 

-       أحبك يا صابر بكل جوارحي

-       و أنا كذلك ندى فكل عام و أنت بخير و أتمنى أن يعجبك ذوقي

-       بالتأكيد سوف يعجبني

 

تعانقتْ شفتانا متراقصتان على موسيقى البيانو ، كأنّني كنت أشعر بأنّ ذلك اللقاء سيكون  لقاء الوداع فقد استمر أربعة ساعات تقريباً ، لم نتكلّم فيها كثيراً بل تكلّمت أجسادنا و تراقصت ، أعرف أنني قد أخطأت و لم أحترم التقاليد الشرقية الصارمة في مثل هذه المواضيع ، و بعد أن انتهى خرجنا من المقهى و كالعادة أوقَفْتُ لها سيّارة أجرة و ذَهَبَتْ . أمّا أنا فقد مشيت إلى مجمّع اليتيم كي ألَمْلِمَ نفسي و روحي التي تَبَعْثَرتْ في أحضان ندى .

 

لاحظتُ حركة نشطة غير عادّية في الشوارع في مثل هذه الأوقات ، و عندما دخلتُ إحدى الدكاكين لشراء علبة سجائر عرفتُ بأنّ غداً سيكون اليوم الأول من أيام شهر رمضان المعظّم ، لم يكن في بالي هذا الموضوع لأنني لم يكن شيء في رأسي غير ندى ، و قبل أن أدخل المقهى داهمني ذلك الصوت من جديد و شعرت في هذه المرة أنّه قريب جداً مني و بنبرة فيها نوع من التأسف و الحزن همس في أذني قائلاً :" عارٌ عليك أن تنهى عن خُلُقٍ و تأتي مثله ، عارُ عليك إذا فَعَلْتَ عظيمُ " ، زلْزَلَتْ هذه الكلمات أعماق أعماقي فما الذي فَعَلْتَهُ بنفْسِك يا صابر ، فكُنْتَ دائماً تقول أنّ الحيوانات هي فقط من لا تسيطر على غرائزها لأنّ لا عقل لها ، فماذا يا ترى فهل قمت باقتراف الخطيئة ، ما السبب في هذا الجنوح هل هو الكبت أم هي جرأة ندى الكبيرة فقد كانت فتاة ناعمة تعطي بلا حدود ، عاشقة تمردّت على المألوف من العادات فلم أستطع أمامها الخجل من نفسي أو من النّاس الذين شاهدوا الوقاحة بعينها .

 

أحضرت النادلة القهوة و أشعلت سيجارة أخرى و بدأت أفكر و كان أول سؤال أوجِّهَهُ لنفسي هل ندى تستحق أن تكون حفيدةً للخنساء و هل أنا أستحق أن أكون حفيداً لابن الوليد أو لابن الخطّاب ، فالحب ليس حراماً شرط أن يكون طاهراً و عفيفاً  مترفعاً عن سلوكيات أبناء و بنات الليل .

 

أخذت أجواء رمضان تلقي بظلالها على الزّمان و المكان ، فالكل منهمك في شراء حاجيات الصيام من تمر و قمر الدين و حلوى ، و بعد غياب الشّمس بقليل بدأت أسْمع ترتيل القرآن من المسجد القريب مؤكِّداً بأن نهار الغد هو أول يوم من أيام شهر رمضان المعظّم ، فخرجت من المقهى بعدما سئمت من أجوائه المسمومة ، فلا بدّ من الاستعداد للشهر الكريم . كانت المنامة تكتسي شيئاً فشيئاً حلّة شهر رمضان فقد كانت الفنادق منهمكة في عملية تحويل مراقصها إلى خيامٍ رمضانية ، و بعد أن انتهيت من الشراء اتّجهت إلى البيت لأنظّفه بعد تلك الأيام العجاف و التي مزّقني فيها الشك و المشاعر السلبية الأخرى ، فقد أهْمَلتُ كل شيء و تفرّغت لحكاية غريبة شلّت كل تفكيري .

 

رنّ جرس الهاتف و لم أرد عليه فقد كنت منهمكاً في تنظيف البيت ، و لكنّه رنّ  مرّةً أخرى و أخرى و في النهاية رفعت السّماعة لأعرف من المتكلِّمْ :

 

-       هالوا

-       كل عام و أنت بخير صابر

-       و أنت بألف خير ، مَنْ حسين حمداً لله على سلامتك متى عدت ؟

-       اليوم صباحاً

-       و كيف صحة الوالدة إن شاء الله تمام ؟

-       الحمد لله حتى أنّني سأزوّجها مرّةً أخرى فقد عادت شابة

-       الله يعطيها طول العمر ، و لكن قل لي متى سأراك ؟

-       غداً بعد الإفطار

-       على خير إن شاء الله

 

بعدما انْتهيت من المكالمة مع حسين استلقيت على السرير لأخذ قسطٍ من الراحة و لكنني لم أنهض إلاّ في متصف الليل فقمت إلى المطبخ لتحضير السحور و إذا بجرس الهاتف يرن و كما توقّعت فقد كانت ندى :

 

-       هالوا

-       مرحبا حبيبي

-       أهلاً ندى

-       أرأيت سوء حظنا ؟؟

-       أي سوء حظ تقصدين ؟

-       شرّف رمضان و لن نستطيع الخروج سوياً

-       نستطيع الخروج بعد الإفطار

-       أين حبيبي

-       أينما ترغبين ؟

-       عندك في الشقة

-       و لكن شقتي صغيرة

-       تتسع لنا

-       أنا آسف جداً فرمضان له حرمة أحترمها و ليس  هذا من الأصول

 

لم تعجبها إجابتي فقد نَزَلَتْ كالصّاعِقة فوق رأسها ، فلا أدري ما تكون حقيقة هذه المجنونة التي ادّعت كذباً أنّها تختبرني كي تتأكّد من نيتي اتجاهها و لكنني متأكد من أنّها كانت جادّة ، تأججت نار الشك و أول شيء التهمته كان ما تبقى من ثقةٍ بها ، فكل سؤال أطرحه على نفسي تكون إجابته مؤلمة و كأنّه صوت ينزل على ظهري ، إنّه الجحيم و كما يقول تعالى : ما ظلمناهم و لكن أنفسهم يظلمون ، نضجت العلاقة معها بسرعة فكانت كالعشب الأخضر الذي ينبت في بداية الربيع معطياً الأرض حلّة خضراء جميلة و لكنه سرعان ما يجف في بداية الصيف ليُصْبِحَ يابساً لا يصلح إلاّ وقوداً للحرائق .



في08,أيلول,2006  -  10:14 مساءً, عبد اللطيف المصدق كتبها ...

شكرا أخي على مرورك وإطرائك، تمنياتي لك بالتوفيق في كتابتك السردية الجميلة، مع دوام التواصل

في09,أيلول,2006  -  07:33 صباحاً, اليافعي كتبها ...

شكراً لك لدعوتنا لزيارة موقعك لنشر كتاب الله ما عليك إلا زيارة هذه المدونة http://www.maktoobblog.com/yafaee وللاقتراحات http://www.maktoobblog.com/yafaeee أو http://www.maktoobblog.com/alyafaee