على ضفاف نهر الدموع / الجزء الأول : الحب و الرغبة / ف 6
كتبهاباسم محمد فارس ، في 10 أيلول 2006 الساعة: 07:01 ص
- الفصل السادس –

اليوم الأول من رمضان كان شاقاً ، و لحسن الحظ كان النهار قصيراً بسبب كونه قد جاء في فصل الشتاء ، و كأي مدينة عربية يحترم أهل المنامة شهر رمضان فالمراقص و الحانات و دور اللهو التي تُقْتَرَفُ فيها الكبائر في الأيام العادية تغلق في الشهر الكريم . و مع اقتراب الغروب بدأت حركة السيّارات و النّاس تهدأ ، فالكلّ بانتظار موعد الإفطار و أنا كذلك فقد حضّرت وجبة خفيفة مكوّنة من التمر و الحليب و ثلاثة قطع من الدجاج المقلي بالإضافة إلى القهوة ، لا أدري لماذا شعرت بأن اللحظات التي تسبق رفع الأذان صعبة و كأنّ الزمن يتوقف ، لم أكن جائعاً بقدر اشتياقي لارتشاف القهوة المعطّرة برائحة الهال ، و عندما رُفِعَ الأذان شعرت بغبطة الصائم لحظة إفطاره ، أكلت بعض الرطب و شربت القليل من الحليب و بعدها قُمْتُ بتأدية صلاة المغرب ، إنّها بالفعل أجواءٌ روحانية كنت قد افتقدتها منذ أنْ عَرَفْتُ ندى و التي أخذت صورتها تبتعد عن مخيِّلتي و قبلاتها المجنونة أبْحَرَتْ مُبْتَعِدَةً في عالم النسيان فلعلّها تغرق أو لعلّها ترسوا في ميناء آخر بعيداً عني .
تنزّهتُ برفقة حسين باقر بعد صلاة العشاء و تجوّلنا في المدينة الممتلئة بالخيام الرمضانية التي تتحول قبل السحور إلى مراقص ليلية مسيئة للشهر العظيم ، لم يرغب حسين اصطحابي إلى تلك الزرائب أو المراقص الليلية ، فأمضينا السهرة على كورنيش المنامة نستمتع يصمت بصوت الأمواج التي لم تتوقف عن الترتيل منذ بدء الخليقة ، فأمواجه تتكسّر ضاربةً الصخور في صراع مرير بين البحر و البر ، فسبحانه تعالى الذي جعل الصراع بين الأضداد سنته في خلقه ، فلا بدّ من الصّراع ليَحْدُثَ التطور ، فالخير و الشر و الشمال و الجنوب و الشرق و الغرب كلّها أضدادٌ تتصارع عسكرياً و ثقافياً ، أمّا أنا فكم كنْتُ أتمزّق لحظة تحولت إلى ساحة صراع بين قيمي الموروثة و تلك الطارئة أو إلى ساحة لمعركة تحديد الهوية الثقافية فهل بإمكاني قبول نموذج ندى المُتَمَثِّلْ في الحب على طاولات المقاهي و الصالونات الفخمة ، فهل نُعِيَتْ ذكرى الخنساء و تمّ الإعلان عن وفاتها للأبد ، أمْ أنّها لا زالت حيّة في الذاكرة و ذلك الصوت الذي كان يؤنبني هو صوتها الخالد ، نعم فالخنساء لا زالت حيّةٌ في نفوسنا و ستبقى كذلك إلى الأبد فالشرق شرقٌ و الغرب غربٌ و لا تلاقيا .
بدأ موج البحر يعلوا معلناً غضبه و رفضه و كأنّه يقول أنا الخنساء يا صابر جدّتك أم الشهداء ابتعد يا بنيّ عن الرذائل و توحّد مع ذاتك لترفض الهزيمة هيا انهض و قاوم ، فنهضت من على الكرسي و اتّجهت إلى آخر نقطة تصل إليها مياه الأمواج المتكسّرة على الشاطئ و وقفت هناك و خاطبت الخنساء و قلت لها : نعم يا جدّتي أعِدُكِ بأنني سأرفع الراية و أقاوم فأمّةٌ أنت منها لن يتمكّن الوثنيون الجدد من هزيمتها و فرض قيمهم الغريبة التي لا أرجل لها و لا أذرع و سننتصر لا محالة طال الزمن أو قَصُرْ .
ناداني حسين الذي رآني و أنا أتكلم مع نفسي و سألني :
- ما بك يا صابر ؟
- لا شيء يا حسين و لكنني حَسَمْتُ أمراً كان يؤرقني
- ما هو ذلك الشيء الذي جعلك تبدو مضطرباً ، هل هو الحب ؟!!
- لا أدري ، ربّما
- هيا أخبرني ما الذي حصل معك و أنا مسافر ؟
- سأروي لك حكايتي ، فأنت بمثابة أخ لي
بدا عليه التأثُّر بينما كان يستمع لي ، و عندما انتهيت من سرد حكايتي أيّد النهاية التي وصلت إليها الحكاية فهي بالتأكيد حتمية ، و على مائدة السحور أخذ حسين يحدّد معالم هوِّيتنا الثقافية رافضاً المفاهيم الجديدة التي تريد الثقافة الوثنية السائدة تعميمها و عولمتها و بالتالي دحر و هزيمة كل القيم الإنسانية الموروثة و التي تقدّس المجتمع و جعل الأفراد مواطنين في دولتهم الذاتية و التي لا تتعدى حدودها جسد كل واحد منهم إنّها الأنانية التي تقدّس حب الذات ة تكرّسه بدلاً من حب الله الذي ما خلقنا و لا جعلنا خلفاء له في الأرض إلاّ لنعبده و هذه هي شرعيةُ وجودنا كأفراد أو كمجتمعات على هذه الأرض . و لكننا لن نهزم فثقافتنا قد تمّ حفظها في الذاكرة الفردية لكل واحد من هذه الأمّة . إنّها المعركة الفاصلة بين الخير و الشر و لكنّ الضحايا الذين يسقطون من جانبنا لن يكونوا شهداء لكنّهم للأسف يتحولون إلى معاول هدم للأمّة بأفكارهم و قيمهم المستوردة ، و لكنّهم سَيُهزَمون مع أسيادهم و ستلاحقهم لعنة الله أحياء كانوا أو أموات . و عندما رفع أذان الفجر توجّهنا أنا حسين لأداء الصّلاة في ذلك المسجد الذي أخذني إليه في تلك الجمعة الرائعة ، أدْرّكتُ أنّنا أمّة واحدة بالرغم من بعض الاختلافات التي لا تُفْسِدُ العلاقة بل تقويها و تؤجج إرادتنا في الانتصار .
غريبة هذه الدّنيا يا صديقي رحلةٌ نبدأها بعد صرخة الميلاد و ما أسرع الرحيل عنها بعد سكرات الموت لنكون تحت التراب في عالم الغيب و الشّهادة فوق التراب و تحت التراب و بينهما حياة تدور الأيام فيها لتنقلنا من الطفولة إلى الشباب فالرجولة و بعدها الشيخوخة ، و لا يمكنك أن تتوقّع أنّك ستنتقل من محطة إلى أخرى فربّما تكون إحدى هذه المحطات هي الأخيرة لتكون تحت التراب في لحظات من دون سابق إنذار .
كم نحلّق في عالم الخيال و الأحلام ، فالذي نحقّقه في هذا العالم اللامحسوس هو أكثر من ذلك الذي نحقّقه في عالم الواقع ، فأنت تريد و ذاك يريد و الكلّ يريد ، و لكن ما الذي يتحقق من هذا المراد إنْ كانت الأيام التي نقضيها فوق التراب معدودة فهي لا شيء من عمر الإنسانية . أمّا الحبّ في رحلتنا فوق التراب و تحت التراب فيدور حوله كلَّ ما يمكن تحقيقه في هذه الدّنيا الفانية فهل الحياة هي الحبّ ، نعم هي كذلك فنحن عندما نرحل لنكون تحت التّراب لا نستطيع أنْ نحب فهل هذا الحب هو حب امرأة أم هو حبّ الله و الوطن و الأرض ، و الإجابة بكل تأكيد هو حبّ الله و حب الامتثال إلى تعاليمه . فالحب بفجِّرُ طاقات هائلة في النفس البشرية تدفعه إلى البناء المثمر إن كان الحب لله و إن كان لغير ذلك فسيدفعه إلى التخريب و القتل من أجل الوصول إلى حبيبه ، فالصّراع الآن هو بين الذين يحبون الله من جهة و بين أولئك الذين يحبون أنفسهم و شهواتهم و يقتلون و ينهبون لأجلها من جهة أخرى .
و لا أدري يا كريم لماذا نحن تائهون هائمون هكذا في هذه الدّنيا ، تجدنا محبطين نشعر و كأنّنا مكبّلون بالأغلال و السجّان شبحٌ قادمٌ من الماضي يعيش في نفوسنا ربّما يكون تلك القدرية التي رسّختها الأشباح القادمة من العقود الغابرة إنّه قدرنا و لا زلنا بانتظار المهدي الذي سيُخلّصنا من الظلم و القهر الذي نَعيشْ .
و بعد صلاة الفجر أوصلني حسين إلى البيت و اقترح عليّ أن أسافر إلى عمّان لقضاء إجازة قصيرة مع الأهل و الأصدقاء لأعود إلى العمل بروح جديدة ، و ها أنا قد عُدتْ على متن نفس الرحلة و التي تحمل الرقم 606 .
و بعد أن انتهى صابر من سرد حكايته أيّده كريم بالنتائج التي وصل إليها ، و لكن صابر استغرب من التغيير الذي طرأ على كريم فهو لم يعارضه كعادته فسأله :
- أحقاً تؤيدني يا كريم ؟
- نعم ، بكل تأكيد
- و ما الذي تغيّر كي تؤيدني من دون تحفظ ؟!!!
- سأخبرك لاحقاً ، هيا فلنذهب إلى زيارة حنا فبالتأكيد يكون الآن قد أخذ قسطاً كافياً من الراحة
- هيا بنا
جبالُ السُّحب تتلاقى في سماء عمّان بعد طول غياب ، و ما كان لهذه السحب المتلاقية إلاّ أن تبكي فرحاً لهذا اللقاء إنّها الأمطار التي هطلت لتروي الأرض العطشى و الزّرع الذي شارف على الهلاك ، و أثناء الطريق إلى منزل حنا أخذ الصديقان يغنّيان ل سميح شقير :
استمع لهذه الأغنية من الرابط التالي:
http://a.amaaz.free.fr/chakir/samihchakir.html
يا بحر صبّحناك بكلمة هيلا
هيلا هيلا هيلا
يا بحر نِحْنا البحّارة ما نهاب الموج العاتي
و نرفع الشراع و نغني لشواطئ راجعين للمينا
بصيد كثير
و الحلوة ناطرينا على المينا
نحنا و الأحباب و النوارس بين البحر و السّما ما هدينا
يا ليل تهدينا على المينا
يا بحر صبّحناك بكلمة هيلا
الصدّيقان بغنيّان هذه الأغنية بنبرة حزينة ، فالواقع المُعاش و كأنّه بحر هائج يأكل المبحرين فيه ، ما عدا أولئك الذين يجيدون فنون الملاحة بين الأمواج العاتية ، أمّا السفينة التي نركبها فهي تبحر بدون بوصلة ، هائمة بين الأمواج العاتية فالحظ ينقذها تارةً و مهارة بعض البحّارة تارةً أخرى ، فعلى أي ميناء سوف ترسوا ؟؟؟؟
انتهى الجزء الأول و سنبدأ بالجزء الثاني "القلوب الكسيرة" و سنكون في هذا الجزء في مدينة نيويورك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : على ضفاف نهر الدموع / رواية | السمات:على ضفاف نهر الدموع / رواية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 10th, 2006 at 10 سبتمبر 2006 8:55 ص
أعجبتني فلسفتكم للثقافة الجديدة والتي يريد الغرب أن يجعلها دثار يلتحف به الشرق الجديد فيتناسى أصالته وعراقته ويغرق في ذاته … والذات بمفردها تتيه بعيدا عن الجماعة … تقديري وفي إنتظار جديد إبداعكم