على ضفاف نهر الدموع / الجزء الثاني : القلوب الكسيرة
كتبهاباسم محمد فارس ، في 11 أيلول 2006 الساعة: 05:01 ص
- الفصل الأول -
دقّ صابر الباب و إذا بالخالة أم حنا تفتح الباب و ما أنْ رأت صابر و كريم إلاّ و ارتسمت على شقتيها الابتسامة و الفرح فقد مرّت شهور كثيرة و لم ترى فيها أصدقاء ابنها النورس العائد من بلاد الأحلام .
- من صابر و كريم ، أهلاً و سهلاً هيا ادخلا بسرعة فالبرد قارص
دخلا المجلس و كان الجو بارداً و رطباً ، أحضرت الخالة أم حنا المدفأة و جلست مع أصدقاء ولدها ؛ لتطمئن عليهم و لتسأل عن أحوالهم و لم تخفي قلقها على ولدها و طلبت من كريم و صابر أن يساعدا صديقهما حنا فقد أخبرتهم بأنّه لم يعد ذلك الشاب المفعم بالأمل و الحياة ، و إلى أن يحضر ابنها ليلتقي بأصدقائه قدّمت لهما الشاي الساخن .
يال هذه الدنيا الكل يجري فيها فالفقير غير مرتاح و الغني يتخبط يريد ابتلاع كل شيء ، فهما لا يزالان يذكران صديقهما حنا يوم نجح بالحصول على تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، فكأنّه ملك الدنيا أو ربّما أكثر ، لسان حاله كان يقول سأعمل ليل نهار لأعود كريماً كلماته حُفِرَت في الذاكرة و كأنّها صدى أجراس الكنائس ليلة العيد .
لم ينتظران طويلاً في المجلس و إذا حنا يدخل ، ذُهل صابر و كريم عندما شاهدا حنا فقد كان وجهه شاحباً يميل إلى الاصفرار فالإرهاق و التعب يتملّكانه ، أفسح كريم و صابر المكان لحنا كي يجلس بينهما حول المدفأة ، في سهرة شتوية ، تذكّروا فيها مقاهي عمّان و دور السينما التي كانوا يرتادونها و كذلك مغامراتهم مع السيّاح الأجانب في المدرّج الروماني ، فالصداقة بينهم قديمة فقد بدأت منذ أنْ كانوا أطفالاً ، الزّمنُ رسّخَها فغدت قلعة شامخة ذات أسوار متينة يصعب اختراقها ، فقد عاشوا في عمّان فأحبوا جبالها و ضواحيها ، و أثناء السّهرة شاهدا بتمعن شديد ألبوم صور حنا التي التقطها خلال وجوده في مدينة نيويورك ، فتارةً يراودهم شعور بأنّ حنا قد أُصيب بلوثة عندما فكّر بالعودة عند رؤيتهم لمباني مانهاتن الرائعة و شوارع نيويورك و تمثال الحرية الذي يستقبل القادمين إلى بلاد الأحلام مبشِّراً لهم بنظام يحترم الإنسان ، و يشفقون عليه تارةً أخرى عندما شاهدوا صور الشقة البائسة التي كان يقطنها هناك فيحمدون الله ألف مرّة أنّ صديقهم بينهم الآن لا يزال على قيد الحياة ، شوّقت الصور صابر و كريم لمعرفة تفاصيل الرحلة و فور انتهائهم من مشاهدة الصور سأل صابر صديقه حنا :
- ما الذي جرى لك هناك ؟!
- لولا عناية السماء يا صابر لكنت الآن في عداد الأموات
- يا سلام !!!
كان حنا بنفث الدّخان من فمه بطريقة تعبِّرُ عن الأسى ، فلو أنّه نفث الدّخان في آلة موسيقية لأخرجت ألحاناً جنائزية بعد أنْ نعى طموحه و أحلامه ، فهو الآن من اليأس و القنوت بعد أن كان شاباً مندفعاً و عاشقاً مخلصاً للغرب الذي حاكاه في كثير من الأمور ، حتى أنّ شكله يوحي بأنّه من عالم الشّمال فله شعر أشقر و عينان زرقاوان و قامة طويلة فقد عاد حنا بحالة نفسية يُرْثى لها ، أما التدخين فقد أصبح بشراهة مخيفة فيبدو أنّه عاد رماداً تناثر حول المدفأة في غرفة الجلوس.
طلب كريم و صابر من حنا أنْ يروي لهما حكايته في نيويورك ، فأشْعَلَ سيجارة أخرى و فتح النافذة المطلة على إحدى التلال القريبة ، كانت حينئذ الشمس تغيب و الشفق الأحمر كان يعطي لجبال السُحُبِ المتجهة شرقاً لوناً نحاسياً مائلاً قليلاً للاحمرار ، فتح النافذة ليَدْخُل منها تيارٌ هوائي بارد و سأل صديقاه :
- انظرا إلى السماء و قولا لي ماذا يعني لكما الغروب ؟
أجابه كريم الذي تعجّب من هذا السؤال ذا الطبيعة التأملية :
- الغروب يعني الإصرار على استمرارية الحياة فالشمس تغيب في مكان و تُشرِقَ في مكانٍ آخر .
أمّا صابر فقد اقترب من حنا قرب النافذة و تمعّن قليلاً في منظر الغروب المتكرّر يومياً منذ أنْ خلق الله الأرض فأجاب حنا قائلاً :
- الغروب يا صديقي يعني أنّ لكلّ بداية نهاية ، يومٌ ذهب إلى غير رجعة و يومٌ آخر سيولد آتياً بأمْرٍ جديد و نحن مع كل شروق و غروب نقترب أكثر من عالم الغيب و الشّهادة .
أمّا حنا فقد كان له رأيٌ آخر مَبْعَثُه خيبة أمله الشديدة في عاصمة الحضارة :
- تأمّلت تلك الغيوم المحمرّة وقت الغروب في سماء نيويورك و إذا بي أتخيّلُ أنّ هذا الاحمرار ينعكس من الدّماء التي تسيلُ يومياً في عالمٍ لا يكلّ من الكذب و لا يتعب من النفاق ، ربّما أنّ ذلك اللون الأحمر هو لون دم الأبرياء و الذين من جماجمهم المطحونة صنعوا إسمنت مدنهم ، فالأرض لا ترغب بابتلاع دمائهم المسفوكة ظُلْماً ، فاشتدّ البرد و هطلت الأمطار بغزارة شديدة إنّها لا تريد أن تتوقف و تنتظر أمر الله لتغرق تلك المدينة المزدحمة بأشباح الضحايا .
أحضرت الخالة أم حنا القهوة السّاخنة و الحلوى اللذيذة التي تصنعها بيديها السّاحرتين ، و لم تنسى إعلامهم بأنّهما مدعوان على العشاء و طلبت منهم أن يتصلوا بأهلهما كي يكونوا على علم بمكان وجودهما ففعلوا . و لكنّ ملامح التعجب من مداخلة حنا العنيفة بدت واضحة على صابر و كريم وازداد شوقهما للاستماع إلى حكاية حنا النيويوركية و التي بدأ يسردها مع الرشفة الأولى من القهوة .

بدأت رحلتي إلى نيويورك في ذلك اليوم الخريفيّ يوم اتّجهتُ في ساعةٍ مبكِّرةٍ جداً إلى منطقة عبدون حيث السّفارة الأمريكية ، أذكر يومها أنني وقَفْتُ في طابور طويل ، فالمئات من الشباب الصابرين على ما أصابهم من بؤس و ضر في بلادهم يقفون طوابير طويلة للهروب من هذا الجزء المريع من العالم ، و أثناء الانتظار كنّا نرقب الخارجين من المبنى القنصلي و الذين كان يبدو الحزن و الأسى على ملامح معظمهم ؛ لعدم تمكّنهم من الحصول على التأشيرة ، أمّا العدد القليل المتبقي منهم فقد كان يخرج من هناك و كأنّه يرغب في التحليق في عنان السّماء من شدة فرحته ؛ لحصوله على صك الدخول إلى الجنة الأرضية . و جاء دوري و لا أذكر أي شيء إلا صوت تلك الموظّفة التي أخبرتني بأنّ عليّ الانتظار إلى فترة ما بعد الظهر كي أستلم جواز سفري و تكون التأشيرة قد دُمِغَتْ عليه ، انتابتني لحظتها فرحةٌ عارمةٌ و خرجت من مبنى القنصلية بعد أن أخذت جواز سفري قبل أن يغيّروا رأيهم ، فكنت أمشي في الشارع و أنا أرقص و أغني و قررت أن أعود إلى البيت سيراً على الأقدام ، لأودّع هذه المقبرة الكبيرة شارعاً شارعاً فسأغادرها سالكاً درب الذي يذهب و لا يرجع ، فلن أُفَكِّرَ بالواسطات بعد اليوم و لن ألجأ إلى الانتظار العقيم لعملٍ أجره لا يسمن و لا يغني من جوع ، سأودّع هذا العالم من محيطه إلى جحيمه ، و لكنني عندما عُدت إلى البيت بكت أمي عندما أخبرتها بأنني قد حصلت على التأشيرة ، فهي لا تريد أن أُفارقها و لكنّها عندما أدركت أنني مصمّم على الهجرة من هذه البلاد ، أخذت تصلي كي أنجح في أمريكا لأتمكّن من انتشال العائلة من هنا .
أقْلعتْ الطائرة باتّجاه نيويورك في رحلةٍ طويلة عبر أوروبا و الأطلسي ، و لا يفصلني الآن عن الجنّة إلاّ أربعة عشرة ساعة ، و سأقابل هناك أحد الناجين من الجحيم و هو ابن عمّي إلياس الذي يعيش في نيويورك منذ عشرة سنوات ، و بالرّغم من طول الرحلة فلم أشعر بساعاتها الطويلة ، و لكن تملّكتني الرهبة عندما بدأت الطائرة هبوطها التدريجي في مطار جون كينيدي ، و شعرت بالقلق من المرحلة التي تنتظرني لحظة خروجي من باب هذه الطائرة ، و بالفعل بدأت أشعر بالقلق عندما شاهدت طوابير المسافرين يصطفون أمام مكاتب دائرة الهجرة في المطار و أخَذْتُ دوري في أحد هذه الطوابير ، و الشيء الذي لفت انتباهي تلك اللحظة هي الطريقة الغريبة التي كان يتعامل بها الموظّفين مع المسافرين و كأنّهم كائنات آتيةٌ من كوكب آخر .

كان إلياس بانتظاري في قاعة المستقبلين و الذي كم كنتُ أحْسده لوجوده في الجنّة ، و بالكاد تذكّرني فعشرة سنوات قد مرّت على لقائنا الأخير ، و عندما عانقني فاحتْ من فمه رائحة الكحول و لكنّه لم يكن ثملاً و يبدو لي أنّه أدمن شرب الكحول :
- الحمد الله على السّلامة يا حنا …
- الله يسّلمك …
- كيف تركت البلاد ؟
- على حالها و الحمد لله …
خرجنا من المطار الذي يبتعد عشرات الكيلومترات عن بروكلين حيث يسكن إلياس ، و انطلقنا قاطعين شوارع نيويورك الرائعة ، و عندما لاح لي تمثال الليدي ليبيرتي أو السيّدة حريّة طلبت من إلياس تخفيف السّرعة ؛ كي ألقي التحيّة عليها لأنني كنت أعتقد أنّها سترحب بي و تشير لي بيدها المرفوعة التي تحمل شعلة الحريّة و تقول لي كما قالت للشاعرة إيما لازاريوس :

ألقي بتعبك عليَّ
ألقي فقرك
لهفتك و قيدك
لتتنفسّ الحريّة
أمّا أنا فقد قلتُ لها : سيدتي العظيمة قد جِئْتُكِ مهاجراً من آخر الدنيا لتهبي لي حريّتي فأعطني المجد و السؤدد كم أرغب بتقبيلك و ضمّك بين ذراعيَّ ، اجعليني سادناً في جزيرتك الصغيرة فلن أبتعد عنك أبداً يا سيّدتي .
كنت متعباً جداً و أرغب في النوم حتى أنّ إلياس قد لاحظ بأنني متعب :
- أخالك متعباً يا حنا ؟
- نعم إلياس فالرحلة كانت طويلة جداً …
- هيا فلنذهب إلى البيت …
لفت انتباهي أنّ إلياس لم يسألني عن أمّه أو عن والده أو حتى عن أي واحد من أقاربه ، فسألته و نحن في طريقنا إلى المنزل :
- هل اشتقت إلى عمّان ؟
- و لمن أشتاق ؟!
- لأمّك مثلاً أو لأبيك …
- أتصل بهم باستمرار …

لم أرغب بطرح الكثير من الأسئلة فأنا متعب و أرغب في النوم و بالتأكيد سأجلس معه كثيراً ، وصلنا بروكلين و بدأنا ندخل في الشوارع الفرعية و كانت الأرصفة تزدحم بالناس : البائعون و المتسوّلون ، الأبيض و الأسود . و بدأتُ أسْمع صافرات سيّارات الإسعاف و الشرطة بوضوح فقد دخل الليل لتبدأ ليلتي الأولى في نيويورك .
وصلنا إلى العمارة البائسة التي يسكن فيها إلياس ، و بالقرب منها رأيت بعض البؤساء السود يفترشون أحد الأرصفة المقابلة للعمارة حقاً و بالفعل إنّه شيء مريع ، فتح الشقة و إذا برائحة نتنة تفوح من داخلها ، يا إلهي ما هذه الرائحة الكريهة ؟!! سألت نفسي ، و ما أن دخلتُ إلاّ و أنا أتعثر في زجاجة تدحرجت على أرضية الشقة ، و عندما أضاء إلياس الغرفة رأيت شيئاً عجيباً زجاجات بيرة في كل مكان فقد تخيّلت نفسي في مكبٍّ للزجاجات الفارغة لأحد الحانات ، فاقتربت منه و سألته :
- لما كل هذه الفوضى ؟!!!
- إنّها الغربة يا حنا …
- الغربة !!!!!!!!
- نعم يا حنا الغربة …
- عن أي غربة تتحدّث بحق السماء ؟!!! ذهب و أحضر زجاجتي بيرة من الثلاّجة
- تفضل و اشرب لتهدأ
- هات يا سيدي كي نشرب نخب لقائنا
- نعم إنّها غربة
- و ما الذي يبقيك كل هذه المدّة إن كانت هذه غربة ؟؟ ضحك و لم ينبس ببنت شفه
- سأُحْضِرْ لك بطانية لتنام و غداً سنكمل الحديث أعطاني بطانية
- هيا تصبح على خير
- و أنت من أهله
لم أكن أتوقع أن تكون البداية بهذا السوء فأنا لا أستطيع العيش في هذا المكان ، فلا بدّ من البحث عن عمل و مسكن خاص بي ، أشْعَلْتُ سيجارة واستلقيت على الأريكة لتبدأ أحلام اليقظة ، و عندما داهمني النعاس فتح أحدهم باب الشقّة و دخل فخرقت قرقعة حذائه سكون الليل و قد لاحظ وجودي في الصّالة ، فيا ترى من هذا القادم فإلياس لم يخبرني عن شركاء له في البيت ، توقّف عن المشي و إذا بصوت ناعم يخترق أذني :
- إلياس ، هل أنت هنا ؟ إنّها صديقته ، و أشعلت الإنارة
- مَنْ أنت ؟!!!
- أنا حنا
- و كيف دخلت إلى هنا ؟!!!!!
- من الباب آنستي
احمرّ وجهُها من الغَضَبْ و ازدادَ قُبْحاً على قباحته المُتأصِّلة ، اتّجهت مُسْرِعةً إلى غرفة إلياس و سمعتها و هي تصْرُخ على إلياس و تؤنّبه لأنّه أحضرني ، و قالت له بأنني تهكّمت عليها ، لم أسمع صوت إلياس و هي أيضاً فقد اختفى صوتها و كأنه التقفها و ضمّها بين ذراعيه . لم تمر إلاّ لحظات لأغطّ بعدها في نوم عميق في تلك الصّالة التي ما كانت إلاّ منفضة كبيرة للسجائر .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : على ضفاف نهر الدموع / رواية | السمات:على ضفاف نهر الدموع / رواية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























