على ضفاف نهر الدموع / الجزء الثاني: القلوب الكسيرة / ف3 : الأشلاء المبعثرة
كتبهاباسم محمد فارس ، في 14 أيلول 2006 الساعة: 09:33 ص
- الفصل الثالث –
توجّهنا في صباح ذلك اليوم إلى جنوب مانهاتن و بالتحديد إلى البارتي باركيتغ حيث تنطلق العبّارة البحرية إلى جزيرة الحريّة و التي أيضاً تُعْتبر من أهم المناطق التي تجذب الحجّاج المؤمنين بأفكار أمريكا ، فعلى الأقل تستقبل هذه الجزيرة أكثر من مليونين زائر سنوياً كما أخبرني أحمد ، فمثلاً يزور السيّاح الأهرامات في مصر للوقوف على أطلال حضارة بائدة لن تعود و لكنّهم عندما يزورون عرش الليدي ليبيرتي في تلك الجزيرة فإنّهم يستشرفون المستقبل و يجدّدون البيعة و يقدّمون لهُبَلْ العصر القرابين .
انطلقت العبّارة البحرية باتّجاه جزيرة الحريّة مُبْحِرةً في ذلك الجيب البحري الذي تحتضنه البنايات الشاهقة التي كأنّها تبعث بتحيّاتها إلى التمثال صباح مساء و تشكره على ترحيبه بالقادمين الجدد و على شحنه أيضاً لهم بالإرادة القويّة التي مكّنتهم من تشييدها و إعلاء شأنها بين باقي مدن العالم .
وصلنا الجزيرة و بدأتُ أشعر بالذهول من جمال تمثال الليدي ليبيرتي الذي له هيبة مستمدة من فكرة الحرية أو بالأحرى من قوة أمريكا سألت أحمد عن التمثال قبل اقترابنا من قاعدته فأجابني بإسهاب و قال : يا حنا يصوّر التمثال الحريّة على أنّها سيّدةٌ عظيمة الكبرياء تقف شامخةً تلتحف ردءاً فضفاضاً تظهر رشاقتها من طيّاته ، و التاج الذي على رأسها له سبعة رؤوس مدبّبة ترمز إلى قارات و بحار العالم و تحمل بيدها اليمنى شعلة الحريّة ، و انظر خلف التمثال ستجد العلم الأمريكي مختبئاً خلف فكرة الحريّة و التي أعتقد أنّها فكرةٌ خيالية عدا أنّها فضفاضة كالرداء الذي ترتديه السيّدة حريّة ، فأي حرية يمكن لأمريكا أن تُعْطيها ؟!!!!
و أجاب عن هذا التساؤل بأنّ الحريّة في تلك البلاد ما هي إلاّ عبارة عن سجن كبير فرضه رأس المال على الناس و الذي بدوره حوّلهم إلى قطعان من المستهلكين اللاهثين وراء تحقيق رغباتهم المادّية و الجسدية ، فقد ألغى إلهُ هذه الحضارة قدسية أي قيمة إنسانية موروثة و استبدلها بقدسيةٍ أخرى و هي قدسية السوق ، فأنت تجد أغلبية الأمريكان بسطاء و أفكارهم تمتاز بالسطحية ، فوسائل الإعلام تتلاعب بعقولهم كيفما تشاء و تجعلهم يمارسون لعبة الحريّة تحت كذبة كبيرة اسمها الديمقراطية ، فهل أنت تمارس الحرية عندما تُخيَّرْ بين شيئين متشابهتين لا يختلفان إلاّ في العنوان ، حقاً إنّه طغيان الرأسمالية الذي ستعاني منه الإنسانية خلال القرن الحادي و العشرين .
سَلَبَ هذا الطغيان من البشرية ثرواتها و وضعها بأيدي حفنةٍ من الأشخاص و التي ربّما لا تتعدى المئات ، طغيان تدعمه قوة عسكرية كونية تسعى إلى عولمة الظلم و سلب ثروات الشعوب ، فعولمة الطغيان تستدعى عولمة مقاومته و توحيد القوى الصادقة في العالم لهزيمته في الشوط الأخير من لعبة الحريّة المزيّفة ، فلا بدّ من التوقف عن الاستهلاك و محاربة ثقافته المقيتة ، فالإنسان كائن كرّمه الله و أسكنه الأرض كي يعبده فيها و يبنيها و عليه الاستهلاك بما تقتضيه هذه الحاجة ، و إذا تُرِكَتْ الرأسمالية الجشعة من دون مقاومة فعلى كوكبنا السلام و ستكون البيئة من أول ضحاياها و ستنقرض الكثير من الكائنات ، فالمقاومة ستفضح قباحة الرأسمالية الغربية و تعريها أمام شعوب و أمم الأرض .
و بينما كان يتكلّم بإسهاب عن قباحة أمريكا تذكّرتُ تلك الكلمات التي قالتها إيما لازاريوس و لكن بشكل مختلف هذه المرّة ، فيبدو لي أنّ المسكينة كانت تحلم بالمدينة الفاضلة التي لا وجود لها إلاّ في خيال أفلاطون ، و حقاً لا أدري لماذا أهداك الفرنسيون للأمريكان أيكافئونهم على قتلهم و إبادتهم للهنود الحمر ، فما أقبحك من حضارة و ما أكذب قِيَمَكِ التي لا وجود لها ، إنّه حقاً خداع النصّابين و مكرهم فهم لم يتوقفوا عند سرقة ثروات الشعوب فقط بل سرقوا عقول تلك الشعوب و أمركوها و جعلوها خادمةً لمصالحهم ، و من لم يؤمرك عملوا على أمركته و هو في أرضه ، فقد تمّ تجنيد البشرية لخدمة دورة رأس المال لصالح الفئة القليلة الفاسقة من سكّان الأرض إنّها مرحلة العبودية الأخيرة بالنسبة للبشرية .
يريدون فرض عولمة بلاهة و سذاجة المجتمع الأمريكي على المجتمعات الأخرى ، فهم الآن يحاربون القيم الإنسانية المستمدّة من الديانات المختلفة للأمم فهم يريدون مجتمعاً ساذجاً تستطيع وسائل الإعلام التلاعب في رأيه العام ، فإذا أصبح كذلك فله لعبة ممتعة اسمها الديمقراطية ، و في حالة رفض الشعوب لهذا النوع من العولمة فسوف يسلّطون عليها رامبو قاهر الأخلاق أو يعاقبون تلك الشعوب بدعم الأراذل و الحثالة فيها .
يا سيّدة الحريّة
أعْطَيْتُكِ فقري فألبستني ثوب الذل و العبودية
رميت عليك تعبي فلم أعُدْ أشعر بالأمن و الاطمئنان
جئت لاهثاً أريد ضمّك و تقبيلك
و لكنني الآن
أطوق للعودة من حيث أتيت
فلن أقبِّلكِ و لن أضمَّكِ يا كاذبة
تجوّلنا في أرجاء جزيرة الدجّالين و قمنا بالتقاط بعض الصور التذكارية ، و لكن الوقت لم يُسْعِفنا بالدّخول إلى التمثال ، فقد حان وقت العودة إلى واقع نيويورك ، و في طريق العودة بدأ الجو يزداد برودةً و بدأ الثلج يتساقط من جبال الغيوم التي كانت تتلبّد في سماء نيويورك بكثافة . و عدنا إلى البيت بعد يوم حافل أمضيناه بالتنزه و النقاش .
نهضت في صباح اليوم التالي فوجدت أحمد و قد أعدّ قهوة و فطور الصباح و جلسنا لنستمتع بصوت فيروز الصباحي ، فقد كانت ترتل إلياذة عظيمة :
يا قدس يا مدينة الصلاة
أصلي
عيوننا إليك ترحل كل يوم
الطفل في المغارة و أمّه مريم وجهان يبكيان
و ستمسح يا نهر الأردن آثار القدم الهمجية
لم ننبس ببنت شفه أثناء تأدية فيروز لتلك الإلياذة الملّحنة بآهات جراحنا ، فقد سبرت غورنا ليبدأ الجرح بالنزف من جديد .
و في تلك الأمسية دعاني أحمد كي أتناول طعام العشاء معه خارج البيت ، فاتّجهنا إلى شارع كلارك باستخدام المترو أو الساب وي ، و كان علينا استخدام قطارين للوصول إلى ذلك المطعم الذي يقع تحت جسر بروكلين و يسمّى الريفر كافييه و الذي تدخل إليه من بين أشجار الزينة و الزهور المزروعة في قوارير بيضاء و التي تُعْتَبرْ أول المرّحبين بالزبائن من خلال الرائحة الذكية التي تنشرها في الهواء لتفتح الشهيّة .
يعتبر الريفر كافييه من أفضل و أشهر مطاعم نيويورك و أجملها على الإطلاق ، فهو يجذب الأزواج الشابّة على إقامة حفلات زفافهم فيه ، فهو في حالة عشقٍ دائمة لضفاف نهر هيدسون ، و بالفعل فقد شعرت بنوع من الارتياح في ذلك المطعم لا سيّما عندما جلسنا على طاولة تزيّنُها إنارة تلهب التحام الزبون بالمكان و تجعله يخرج منه قائلاً فيه قصائد مدحٍ ، لاحظت أنّ كل من في المطعم بحيي صديقي أحمد :
- هل أنت زبون هنا يا أحمد ، فيبدو لي أنّ الكلّ يعرفك ؟!
- نعم ، فأنا أتردد على هذا المطعم بانتظام فالجلسة فيه أكثر من رائعة
- نعم بالفعل فهو مطعم جميل
- انظر يا حنا إلى جدران المطعم الزجاجية
- تمعّنْتُها جيداً ، فهي توحي لك بأن نيويورك تحتضنك بين ناطحات سحابها و أبراجها العالية فكأنّ المطعم يضاء بأنوارها
لم نطلب طعام العشاء مباشرةً فقد كنّا نرغب باحتساء القهوة الساخنة و أخذنا نتكلّم عن المستقبل فموعد سفرنا تحدّد في اليوم الثالث من شهر فبراير عام 98 ، فأحمد سيعمل في رام الله أمّا أنا فسأبحث عن عمل في عمّان و قلت له :
- يا صديقي لا شيء يدعو للتفاؤل ، و لا أدري إن كان هناك عدالة إلهية في هذا العالم
- يا حنا لا تخف ألا تعرف أنّ الأرزاق بيد الله سبحانه و تعالى ألم تسمع بقصة تلك المرأة التي عاتبت ربّها في مجلس النبي داوود عليه السلام ؟!
- لم أسمع بها هيا اروي لي هذه الحكاية لعلّها تواسيني
- دخلت امرأة على مجلس النبي داوود و سألته : يا نبي الله ربُّكَ ظالمٌ أم عادل ؟ فأجابها النبي مستنكراً سؤالها : و يحك يا امرأة فالله هو العدل الذي لا يجور ، فسألها عن حكايتها فقالت : أنا أرملةٌ عندي ثلاثة أطفال أقوم عليهم من غزل يدي فلمّا كان أمس شدّدتُ غزلي في صرّة حمراء و بينما أنا في طريقي إلى السوق و إذا بطائر انقضَّ على الصرّة و طارَ بها بعيداً ، و أنا الآن حزينة لا أدري من أين سأُطْعِمُ أطفالي ، و بينما المرأة تتكلّمُ مع داوود عليه السلام و إذا بعشرة رجال يستأذنون كي يدخلوا مجلس النبي فأذن لهم ، و بعد التحية أعطى كل واحد منهم النبي مائة دينار و سألوه إعطائها لمستحقّيها ، فسألهم عن سبب عطائهم فقالوا : يا نبيّ الله كنّا في مركب فهاجت علينا الريح و أشرفنا على الغرق و إذا بطائر يلقي علينا صرّة حمراء فيها غزل فسددنا عيب المركب فهانت علينا الريح و انسدّ العيب و نذرنا بأن يتصدّق كلّ واحد منّا بمائة دينار و هذا المال بين يديك فتصدّق به على من أردت . فالتفت داوود عليه السلام إلى المرأة و قال لها : ربٌ يتجر لك في البر و البحر و تجعلينه ظالماً و أعطاها الألف دينار و قال أنفقيها على أطفالك . تأمّل يا صديقي رحمة الله و كن على ثقة بأنّك ستأخذ ما قسمه الله لك .
- يا سلام ، نعم صدقت
و بينما كنّا نتحدّث دخلت عائلة إلى المطعم و إذا بها تجلس على الطاولة المجاورة لنا ، فقد كان رجلاً ضخماً في الخمسين من عمره و كان بصحبته امرأة كبيرة يبدو أنّها زوجته و أخرى صغيرة و ما أنْ رأيتها إلاّ و أنا أقف إكباراً و إجلالاً لهذا الجمال فقد كانت سمراء رشيقة عيناها خضراوان و ترتدي ثوباً مخملياً ذهبي اللون مصنوعاً من الشوموا ، كانت مفاتنها الشرق أوسطية بارزة كالشمس الساطعة في صحراء بلادنا ، تسمّرت مكاني و عيناي أبحرتا في مفاتنها و لاحظ أنني أنظر خلفه فالتفت ليعرف سبب فقداني التركيز .
- أيوة حنا هل سيكون ختامها شقاوة ؟
- لا أدري و لكنّها تستحق المطاردة ، التفت إليها و قل لي رأيك
- كيف لي أن ألتفت ألم ترى الغوريلا الذي برفقتهم ؟!!!
- إنّها تكلّمني بعينيها الخضراوان
- و ماذا تقول لك يا دنجوان زمانك ؟!!
- تقول بأنّها تريد أن تتحدث معي ، انظر فقد قامت من مكانها و اتّجهت إلى دورة المياه !
- هل ستذهب أنت أيضاً ؟
- نعم بكل تأكيد ، عن إذنك أحمد
كنت أرغب بالرقص على نغمات تلك الموسيقى الهادئة فسأبدأ الحديث معها باللغة العربية فيبدو لي أنّها من بلادنا :
- عفواً آنستي
- تفضل تكلّمت معي بالعربية فقد كانت من بلادنا كما توقّعْت
- أرغب ، أرغب
- بماذا ترغب ؟! و ابتسمت
- بصراحة أرغب بأن نتعرّف ببعضنا ، هل لي ذلك ؟
- بكل تأكيد و لكن لا أستطيع أن أقف طويلاً هنا ، سأعطيك رقم الهاتف و لا تتكلّم إلاّ إذا سمعت صوتي ، و كلمة السر هي أن تسألني : هل جورج موجود ؟ فأقول نعم يتكلّم اتفقنا
- و لكن ما اسمُكِ آنستي ؟
- اسمي لارا
- و أنت
- حنا
- أوكي حنا سأذهب هيا إلى اللقاء
و عُدْتُ إلى مكاني لأجد أحمد يجلس فيه
- لماذا أخذت مكاني يا صديقي ؟
- لأنّه لا يوجد متسّع من الوقت لهذه الشقاوة
- ماشي يا سيدي أمْرَك
- هل كلّمَتْكْ ؟
- نعم و أعطتني رقم هاتفها
- بهذه السرعة !!!!!!!!!
- و لماذا التعجب ؟
- أُقْسِمْ بأن وراء هذه الفتاة مصيبة ، بإمكانك أن تتكلّم معها من البيت ، و لكن أخبرن ماذا تريد أن تأكل ؟
- طبق من اللحم المشوي
- و أنا كذلك
و بعدما انتهينا من تناول العشاء خرجنا لنتجول في شوارع بروكلين الصاخبة ، فدخلنا شوارع كثيرة لا أذكر أسمائها ، و لكنني لا زلت أذكر بوضوح تلك الأضواء الملوّنة المنبعثة من المباني العالية ، فقد كانت تُغازل الليل لِتَطْرُدَ أشباح ضحايا تلك المدينة المجنونة و الذين كنت أخال أطيافهم تتطاير في أرجاء المكان الذي من قواعد مبانيه تفوح رائحة الدماء المسفوكة ، فذلك طيفٌ لطفلٍ مات و هو يتضور جوعاً ، و هناك في تلك الساحة لَمَحْتُ طيفاً أخاله لأحد الهنود الحمر فقد كان يحمل على كتفه منجلاً فربّما قد أتى لزيارة المكان الذي كان في حقله ، فهنا كان يزرع أرضه و يعيش مع أفراد قبيلته بسلام إلى أن جاء الغزاة من وراء البحار ، فسرقوا أرضه و قتلوه و بقي طيفه يحوم في نفس مكان مسرح الجريمة . ربّما يأتي يوم تتحول فيه هذه الأشباح إلى رياحاً عاتية أو ربّما إلى أعاصير مدّمرة أو ربّما تخترق الأرض لتزلزل الصخور بأمر الله ، فتدمّر هذه القارة منتقمةً من الغزاة فقد يكون ذلك عقاباً من السّماء ، فالجريمة لا تسقط بالتقادم فكيف لها أنْ تسقط إنْ كانت الجريمة بهذه الفظاعة ، فعدالة الله ستنتصر في النهاية و سيجعل الأرض تبتلعهم لما يقترفون من فواحش و آثام و التي بسببها أنزل الله سَخَطَهُ و عِقابه على أمم سابقة ، فالشيء الذي لا شك فيه أنّ العقاب قادم لا محالة ، و إنْ تأخّر فهذا يعني أنّ العقاب سيكون أشدّ و أعتى ، فيتعيَّنَ علينا مغادرة ذلك المكان بسرعة ، أيعقل أن نستبدل الأرض المباركة بالأرض الآثم أهلها ؟!!!!!!!!!!!
و في طريق العودة إلى البيت سألت أحمد سؤالاً لطالما حيّرني :
- أريد منك يا أحمد أن تَصْدقني الإجابة ؟
- تفضل حنا اسأل …
- الكثير من الشباب العربي يحسدونك على وجودك في أمريكا و لا أدري لماذا لم تعمل لأجل الحصول على الجنسية الأمريكية ؟
- لم أفكّر قط بالحصول عليها أو حتى الإقامة في هذه الكذبة ، فأنا هنا في منحةٍ دراسية و قد شارفت على الانتهاء و أتنمى أن ينتهي هذا الأسبوع بسرعة لأعود إلى رام الله ، فأنا لست بالأحمق الذي يحرم نفسه و ذريته من الإقامة في الأرض المباركة و هل أحرم نفسي و أولادي من المشاركة في المعركة الأزلية و المستمرة بين الخير و الشر ، هل تريدهم أن يلعنوني ؟!
- لا أريد ذلك يا أحمد …
كَثُرَ عدد الثملين الذين يخرجون من الحانات ، و كي لا نَعْلَقَ في مشكلة مع أحدهم عُدنا إلى البيت لننام ، ففي الغد سأتكلّم مع لارا لعلّني أختم هذه الرحلة بقصة غرامية ، و كالمعتاد نهضنا من النوم و قمنا بتحضير طعام الإفطار و قهوة الصباح و جلسنا نشاهد الأخبار العالمية ، و إذا بنا نشاهد الملك الراحل يجلس على ظهر سيّارة بيضاء و يلوِّحُ بيده للناس المصطفين تحت المطر لاستقباله على جانبي الطريق ، شعور غريب راودني بأنّها تحية الوداع الأخير ، فنحن نعيش على الأرض عشرات السنين و في نهاية المطاف نُغادِرُها أجْساداً هامدة ، ليَضَعُنا مَنْ بَقِيَ فوق التراب تحت التراب ، إنّه درس يتكرّر يومياً منذ أنْ خلق الله الحياة .
اتّصَلتُ بلارا في فترة ما بعد الظهر ، ليسري صوتها في جسدي و كأنّه تيار كهربائي يُشْعِلً ما تأجّجَ في النفس من رغبات مكبوتة ، صوت ناعم أبحر في أذني ليرسوا على شواطئ الذّاكرة في بحر مجنون تحرِّكُ الشهوةُ و الرغبةُ تيّاراته المائية القوّية التي تُغْرِقُكَ و تجذبك إلى القاع حيث الشعاب المرجانية الجذّابة و السّامة في نفس الوقت .
- هالوا
- هل جورج موجود ؟
- يتكلّم
- كيف حالُكِ لارا ، و هل تذكرينني ؟
- و كيف أنْساك يا حنا ؟
- هل تعْلمِينَ أنّ صورتك لا زالت عالقةٌ في الذاكرة و كأنّ الأنوثة اختُصِرَتْ في محيّاكي
- شكراً على المجاملة فجأة اضطرب صوتها
- حنا آسفة أحدهم قادم ، تكلّم معي غداً في تمام الحادية عشرة ، سلام
هل من أحدٍ يراقبها ؟ سألت نفسي ، و لكن في هذه البلاد يتحرّر الإنسان من جميع القيود المادّية و المعنويّة فَمَنْ ذا الذي يقيّد لارا و يمنعُها من تحقيق رغباتها و حريّتها ، فعلى حرّاس الحرية أنْ يلقوا القبض عليه فوراً ليُحاكَمَ و يُشْنَقَ على حبل مشنقة يتدلّى من أعلى أحد رؤوس تاج الليدي ليبيرتي المدبّبة ، و لتكون السيّدة حرية شاهدة على إعدام أعدائها ، فمتى سيأتي الغد لأُكَلِّمَ لارا الجميلة و أهمس في أذنها تلك الهمسات الصباحية المعطّرة برائحة الياسمين القادمة من الشام .
لا أدري أين خرج أحمد ، أين هو ؟ أرغب بتمضية ما تبقى من هذا اليوم الطويل معه ، استلقيت على الأريكة الطويلة و أخذت غفوة سافرت فيها إلى عمّان حيث الأهل و الأحباب و لم أستيقظ إلاّ عندما أيقظني أحمد كي نُحَضِرَ طعام العشاء سوياً .
- حنا هيا انهض و اتبعني إلى المطبخ لتحضيرْ المقلوبة …
- مقلوبة في الليل يا أحمد ؟!!!
- هيا قُمْ و لا تتلكأ يا رجل …
- أنا مُتْعَبْ يا أحمد …
- هل تكلّمتَ مع ست الحسن و الجمال ؟
- نعم ، أتتخيّل أنّ أحدهم يراقبها ، فقد أنْهَتْ المكالمة سريعاً و طلبت مني أن أتكلّم معها صباح الغد …
- كما أخبرتك البارحة فهذه الفتاة ورائها مصيبة …
- دائماً متشائم …
- و هل من شيء يبعث على التفاؤل في هذا الجحيم ؟ هيا انهض بسرعة …
- ماشي و لكنني لا أعْرِف الطبخ …
- لن تطبخ و لكن عليك مساعدتي فقط …
- أنا تحت أمْرك يا سيدي …
كان أحمد طبّاخاً ماهراً فلم يستغرق ذلك الطبق الساميّ الكثير من الوقت ، و كانت المرّة الأولى التي أتناول فيها طعاماً شامياً لذيذاً كهذا ، فالوجبات التي اعتدنا عليها تُحضّر بسرعة ، و طبعاً استغل أحمد الفرصة كي يدين أمريكا ، حتى تلك الليلة كنت أختلف معه في الرأي و أتّهمه بالتحامل على أمريكا ، و كنت أيضاً أتفق معه في الكثير من الآراء ، و لكن الذي حدث في اليوم التالي جعلنني أتفق مع أحمد في رأيه حول هذه الحضارة الحقيرة التي تتحكّم في عالم اليوم . ففي صباح اليوم التالي تناولنا طعام الإفطار و احتسينا القهوة على صوت فيروز الذي كان يعانق الصباح و يسحر المكان ، فيجعَلُكَ تتخيّلَه و كأنّه تحوّل إلى غابة كثيفة من أشجار السرو و السنديان . و عندما دقّت الساعة تمام الحادية عشرة أسْرَعْتُ إلى الهاتف كي أتكلّم معها .
- هالوا …
- هل جورج موجود ؟
- يتكلّم …
- كيف حالُكِ لارا ؟
- بخير حنا و كيف حالُك أنت ؟
- بخبر و لا ينقصني إلاّ أنْ تُلَبي دعوتي و نخرج سوياً …
- ما رأيك اليوم و الآن ؟ قالتها باضطراب
- بكل سرور و لكن أين ألتقي بك ؟
- في مانهاتن … و كتبت عنوانها الكامل
- انتظريني و سأكون عندك بعد ساعة …
- لا تتأخر حنا ، و كن دقيقاً أرجوك …
- سأكون في الموعد المحدّد ، و الآن إلى اللقاء …
لهفتها كي تلتقي بي أثارت فضولي ، فأنا لم أرها إلاّ مرة واحدة فقط و لدقائق معدودة ، فخرجتُ من البيت على الفور و أوقَفْتُ سيارة تاكسي أو يالو كابس لأنطلق مُسرعاً إلى مانهاتن .
توقف حنا عن الكلام ليستريح قليلاً ، و قد كان كل من كريم صابر يستمعان لحكايته باهتمام كبير ، فمن الحكمة أن تأخذ الدروس و العبر من تجارب الآخرين ، فقد سُئِلَ أحد الحكماء من قبل شاب لا زال في مقتبل العمر ، فسأل الشاب الحكيم الطاعن في السن : يا حكيم الحكماء مَنْ يا تُرى أحْكَمُ منك في هذا العالم ؟! ، فابتسم الشيخ الحكيم و قال للشاب الصغير : يا بني أنت أحكم مني إن اسْتَمَعْتَ إلى كلامي و قُمْتَ بتطبيقه ، فإذا فعلت ذلك تكون قد وفّرتَ عناء التجربة .
لا يزالون يذكرون أيام كانوا في المدرسة الإعدادية و الثانوية كيف كانوا يدرسون و يحْلمون في غد أفضل ، و كيف كانوا يتسلقون المدرّج الروماني و يتحدّثون مع السيّاح الأجانب من شتى الجنسيات ، فقد عاشوا طفولة فيها الكد و التعب ، فآبائهم ليسوا بالأثرياء فقد كدّوا بشرف لأجل تربيتهم و تعليمهم في الجامعات ، طفولتهم كانت بين أزقة الأحياء الشعبية القابعة فوق جبال عمّان ، لم يخْجلوا في يوم من الأيام من كونهم أبناء الكادحين ، فلعنة الفقراء و المسْحوقين لن تطارد آبائهم ، ولكنّها ستظل تطارد أولئك الحمقى الذين لم يتذكّروا بأنّ الدنيا تغدر و لا تدوم ، فأجسادهم تعفّنت قبل الموت و فاحت منها الروائح الكريهة بالرّغم من العطور الباريسية الفاخرة ، أمّا الأزياء المستوردة من أشهر دور العرض فبدلاً من أنْ تَسْتُرَ عوراتهم فَضَحَتْها .
صابر و كريم ينتظران حنا أنْ يُكْمِلَ ما تبقى من حكايته ، و لكنّهما فضّلا تركه ليستريح فعيناه محمرّتان و التأثُّر يبدو عليه واضحاً ، فقام ليغسل وجهه بالماء البارد و يسخّن القهوة ، فربّما يساعد هذا المشروب في تنبيه الأمّة التائهة الحائرة المهزومة و يَجْعَلُها أكثر يقظةً لقوله تعالى " و كنتم خير أمّة أُخْرِجَتْ للنّاس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر ". فلا بدّ لهذه الأمّة أن تَخْرُجَ من هذا التيه و تترك وثنيتها الجديدة و التي ألبسها سفهاء القوم رداء الإسلام ، فاختلط الحابل بالنابل و لا حول و لا قوة إلاّ بالله .
ابتعدنا عن خصوصيتنا الثقافية و الأخلاقية و لم يَعُدْ لدينا جَلَدَ و إصرار أجدادنا الأوائل الذين هاجروا من أوطانهم لينشروا قِيَماَ و ثقافةً جديدة ، بشّرَتْ الإنسانية بالحرية الحقيقية المهذّبةِ للنّفس الكابحة للشهوة ، ليس كالليدي ليبيرتي التي نشر أتباعها حريّة أخرى زاخرة بالأكاذيب و تجدها مثخنة مليئة بالفواحش و الكبائر و تفتقد إلى الحد الأدنى من الأخلاق الإنسانية فقد جعلتْ الرجل يزني بمحارمه أمّا اللواط فهو حقٌ يحميه القانون و مَكرُمة من مكارم السيّدة حرية .
و عند عودته بالقهوة الساخنة سأل صديقيه :
- أين وصلت يا شباب ؟
- عندما توجّهتَ إلى مانهاتن لتلتقي بلارا …
توقّف السائق بالقرب من بناية شاهقة و قال لي بأنّ هذا هو العنوان المطلوب ، لم أنتظر كثيراً فقد فاجأتني و دخلت التاكسي لتجلس بالقرب مني في المقعد الخلفي و قالت لي و هي تلهث : هيا بنا يا حنا إلى المطار بسرعة ، بدا لي بأنّ هناك شخصاً يطاردها فانطلقنا مُسْرِعين إلى المطار ، و نحن في التاكسي تمعّنْتُ ملامح وجهها فالخوف و الاضطراب يبدوان عليها بوضوح ، أمّا أنا فقد احْتَرْتُ في أمرها ، فإن كان الأمر هكذا فلماذا لم توقف تاكسي لوحدها فالأمر ليس بهذه الصعوبة ، و ما أن سألتها هذا السؤال إلاّ و ينابيع الدموع تنفجر من عينيها الجميلتين الساحرتين ، فمن يا ترى ذلك القاسي الذي آلم هذا الجسد الساحر بانثناءاته و تضاريسه الخلاّبة .
أجابتني و هي تبكي :
- لا أمْلك أجرة التاكسي و ما من أحد يعرفني هنا و كما أنني لا أجيد الإنجليزية ، فقد كنت خائفة و مضطربة و لا أدري كيف أتصرّف .
ما كان لي إلاّ أن أُهدِّئَ من روعها ، و برفق مَسَحْتُ دموعها بمنديل أبيض كان معي و إذا بها تُلقي برأسها على كتفي فقد كان ينقصها حنان مفقود في تلك الصحراء القاحلة ، طلبت منها أنْ تُخْبِرني حكايتها ففعلت ، و بينما كانت تتكلّم تذكّرْتُ أحمد الذي صدقت توقعاته في أنّ هذه الفتاة متورطة في مشكلة كبيرة و هي تبحث عن أحد كي يساعدها و ينقذها .
رَوَتْ لي حكايتها في نيويورك بمرارة ، و أخبرتني تلك الحكاية المأساوية :
قبل بضعة شهور بدأت حكايتي في نيويورك عندما أتى رجل يكبرني بعشرين عاماً ليخْطِبني من أبي فقد جذبنا في حديثه عن نيويورك و عن أمريكا و عن أعماله فيها ، و زارنا قبل الخطوبة لمرّات عديدة ، و في كل زيارة كان يهديني شيئاً فاخراً فظننت أنّه فارس الأحلام فهو لا يملك المال فحسب بل يعيش في نيويورك تلك المدينة التي طالما حلمتُ بها فجاء هذا الرجل ليعرض عليّ تحقيق أحلامي فوافقت على الزواج به و فرح إخواني الشباب على هذه الموافقة فقد ظنّوا أن صهرهم سيأخذهم معه إلى أمريكا فأعلنا الخطوبة ، لم يظهر عليه في تلك الفترة ما يدعوا إلى القلق فقد كان مهذّباً في سلوكه و يختار كلماته بدّقة ، إنّها حقاً سذاجتي التي مكّنته من خداعي و الإيقاع بي في شراكه .
أقام لي حفل زفاف بعد حصولي على تأشيرة الدخول إلى أمريكا ، أعتقد أنّه كان حفلاً مهيباً و الذين شَهِدوه لا يزالون يتحدّثون عنه ، فقد كان أشبه ما يكون بتحقيق الرغبات الأخيرة لمن صدر عليه حكم الإعدام . و بعد انفضاض العرس أمضينا ساعة في استراحة الفندق و التي بعدها انطلقنا إلى المطار لتبدأ الرحلة إلى نيويورك .
و بعد ساعات طويلة في الطائرة التي كنت لا أستطيع النوم عندما أتذكّرها فقد كانت كالتابوت الطائر و الذي سيقودني في النهاية إلى قبري ، و صلنا إلى بيته في مانهاتن لنقضي ليلتنا الأولى التي كشف فيها عن أنيابه ، فقد احمرّت عيناه و هاجمني و ضربني بتلذذ و أخذ يمزِّق ملابسي لأقف عارية مُثْخَنَةً بالجراح أمامه ، صرخت بصوت مرتفع و ما من أحد أتى لِيُنْقذني من براثن ذلك الحيوان الآدمي ففقدت الوعي .
نهضت من غيبوبة الألم فوجدت شقيقته تُسْعِفُني و تمسح جراحي ، كانت امرأةٌ طيّبة طلبت مني الصبر و الدعاء بالهداية لزوجي و أخبرتني حقيقته المؤلمة فهو يتعاطى المخدّرات و الكحول ، فاكتشفت حجم الورطة التي وقَعْتُ فيها ، زرَعْتُ الطمع و الخيلاء فحصدت الحسرة و الندامة ، فقد عرفت معنى الذل و الهوان فشهر قد انقضى و كأنّه ألف عام .
و قبل يومين كان آخر ضرب من جنونه فقد أغلق غرفة النوم حيث هاجمني بوحشية و مزّق ثيابي ، صَرَخْتُ بقوة عندما أطفأ سيجارته في جسدي ، دافعت عن نفسي فَقُمْتُ بقذفه بزجاجة العطر و إذا به يكسر زجاجة الخمر و يجرح بها صدري ، و عندما رأى دمي يسيل هدأ و خرج من الغرفة ليتركني أنزف ، فأتت أخته التي أظنّها مختصة بالإسعافات الأولية و أخذت تضمد جراحي الجسدية و لكنّ جرح الروح سيبقى نازفاً إلى الأبد .
و لحسن الحظ كانت تذكرة العودة معي ، فانتهزت فرصة سفره إلى شيكاغو لأهرب من هذه المدينة البائسة ، فاتّصلت بمكتب الخطوط الجوية و حجزت مقعداً على رحلة اليوم ، و يوم رأيتك في ذلك المطعم كانت المرّة الأولى التي أخْرجُ فيها من البيت ، و عندما رأيتك تنظر إليّ ببراءة توقَّعْتُ أنّك عربي ، و لحسن الحظ فأنا و أنت من نقس المدينة ، فقد كنت أبحث عن أي شخصٍ يمد لي يد العون ، و أنا أعتذر منك إنْ كنت قد أزْعَجْتُك .
- لا تعتذري يا أُختاه و لا تحزني فما هي إلاّ تجربة ستَجْعَلُكِ أكثر قوة ، و اشكري الله الذي سهّل هروبك من هذا المجنون فما هي إلاّ ساعات و تكونين عند أهلك في عمّان .
بَكَتْ بمرارة بسبب الوضع المُحْزِن الذي آلت إليه ، فها هي تعود إلى عمّان بعدما أُثْخِنَتْ بالجراح العميقة الغائرة في النفس ، فذاكرتها قد امتلأت بالأحزان و الآلام و التي يَصْعُبُ مَسْحُها بسهولة أمّا أنا فقد شعرت بالذهول فلا أدري إن كانت عمّان قد أُصيبت بالجنون بسبب لهاثها المحموم وراء المظاهر المادّية أمْ أنّها المجاعة الروحية .
رافَقْتُها في آخر ساعتين لها في نيويورك و احتسينا القهوة سوياً ، وعندما تمّ الإعلان عبر مكبّرات الصوت عن بدء إجراءات السفر على متن الخطوط الملكية الأردنية و دّعتها و أعطيتها المبلغ الذي كان في جيبي و هو خمسون دولاراً رفَضَتْهُ و لكنني أجبرنها على قبوله فهي تغادر نيويورك صفر اليدين ، و ألحّت عليّ بأن أعطيها عنواني ففعلت فربّما نلتقي في ظروف أخرى أفضل .
ألْقَتْ مأساة لارا بظلالها السوداوية على المكان و الزمان ، فالمكان ازداد قُبْحاً و الزمان أمسى أكثر رداءةً ، فقد ذُبِحَتْ على مذبح الليدي ليبيرتي المقدّس كقربان ، و لكنني أعتقد بأنّها رفضت هذا القربان لكونه آتياً من الشرق النقيض البديل ، فالقربان الساذج لا يُقْبَلْ لأنّه غير قادر على المساهمة في سحق الشرق أو الانهماك في إطفاء أنواره الآتية من مشاعل الحرية الحقيقية و التي لا يمكن إطفائها ، فهناك في الشرق عذّب أجداد أسياد الليدي ليبيرتي المسيح عليه السلام في طريق طويلة لا زالت تسمّى طريق الآلام حتى يومنا هذا ، و من الشرق انطلق العرب حاملين مشاعر الحريّة التي أضاءت الطريق للإنسان و أخْرَجَتْه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، و لا زال الشرق ينتظر بشوق الجيل الذي سيتحرّر من زُّعارهِ و دُّعارهِ لينطلق من جديد في أرجاء الأرض مالئاً الآفاق بالنور الخالد.
بقي معي دولارين فقط و هذا لا يكفي أجرة التاكسي إلى بروكلين فاتّصلت مع أحْمد و لكنّه للأسف لم يكن موجوداً في البيت ، و إلى أنْ أجده فعليّ قضاء بعض الوقت في المطار ، فَعُدْتُ إلى مبنى المغادرين ، و من بعيد رأيت تلك المومس صديقة إلياس و هي تجر كرسياً متحركاً ، و فضولي جعلني أذهب لأسألها عن أخبار ابن عمي ، و عندما اقتربت منها صُعِقْتُ عندما رأيت إلياس يجلس على ذلك الكرسي ، فتحرّكت مشاعري نحوه و اتّجهت إليه مُسْرِعاً كي أطمئن عليه :
- إلياس ؟!!!!!!!
- حنا …
- مَنْ فعل بك هذا ، هيا أخبرني بحق السّماء ؟! و بنيرة انكسار و حزن أجابني
- جَنَيْتُ على نفسي يا ابن عمي …
- كيف حدث لك هذا ؟
- بينما كنتُ أعمل هاجمتنا عصابة من الزنوج و أطلَقَتْ علينا النار و كما ترى أصُبْتُ بجروح متوسطة …
- رحْمَتُكَ يا رب . و تألّمْتُ كثيراً عندا تذكّرتُ والديه و تلك الحسرة التي سيشعران بها
- لا تحزَنْ يا حنا إنّها عقوبة الرب الذي لا ينام …
- المهم لا تنسى أنْ تودّع صديقتك للأبد فلن أسْمح لك بالعودة إلى هذا الجحيم أبداً و تمّ الإعلان عن بدء ركوب المسافرين على متن الخطوط الملكية الأردنية .
لمْ ينبس ببنت شفه و لم يعلِّق على كلامي ، و بعد أنْ ودّعته أسْرَعَتْ به صديقته لاستكمال إجراءات مغادرة نيويورك السارِقَةُ لشبابه و لعافيته ، فهذا اليوم قد حَفِلَ بعودة رعاة البقر العرب الفاشلين المتسكِّعين ، فها هم يعودون إلى الديار و هم لا يصْلُحون حتى لرعي الأغنام ، فقد دمّرتهم أحلامهم الساذجة في أنّ أمريكا هي ملاذ الفقراء و المتعبين المنهمكين في البحث عن الحرية ، أمّا أنا في الواقع فلا أدري كيف يمكن للأعراق و الثقافات المختلفة العيْشَ في مكان واحد ، فربّما تتحاور أو ربّما تجد صيغة مشتركة للتعاون فيما بينها ، و إنْ اجتمعت في مكان واحد فهذا يعني أنّ هناك عملية استبدال للثقافات المختلفة بثقافة جديدة .
فالتطور هو نتاج الصراع الحضاري و الثقافي ، و قد لَعِبَتْ كلُّ أمّة من الأمم دوراً بارزاً في التقدّم العلمي و التكنولوجي الذي آلت إليه الإنسانية اليوم ، و بالطبع ليس تقدّماً نحو إيجاد صيغة ثقافية جديدة ، فالثقافات لا يمكن توحيدها و ستظّل مختلفة متصارعة ، و لكنّ الرأسمالية البشعة ترفض فكرة تعاون الثقافات و تريد سحق المنظومة القِيَمِيَة و الأخلاقية للإنسانية و استبدالها بمنظومة قيم جديدة تهدف إلى تحويل البشر إلى قطيع من المستهلكين السذّج الذين يَسْهُل السيطرة عليهم و بالتالي نهبهم و سلب ما يملكون من ثروات مادّية و ذهنية .
الرأسمالية العالمية القبيحة التي تقودها أمريكا تعمل على إعادة الإنسانية إلى المربّع الأول أي إلى مجتمع القبيلة الواحدة الذي تحْكُمهُ سلطةٌ و ثقافةٌ واحدة و في هذا الحقبة فإنّ هذه الثقافة هي ثقافة الاستهلاك و الجنس و التي تحاول أمريكا اللقيطة فرضها على الأمم و الشعوب العريقة من خلال وسائل الأعلام تارة و من خلال إرهاب القوة الكونية التي تملكها تارة أخرى ، و لكنّها لن تنتصر بكل تأكيد على ثقافتنا الخالدة .
أتعبتني نيويورك ، و كم أرْغَبْ في دفن نفسي في سريري لأغْرَقَ في نوم عميق إلى أنْ يحين موعد سفري ، و عزائي الوحيد هو أنّ موعد سفري بات قاب قوسين أو أدنى ، فقط يومان و يعود الطائر إلى عشّه ، فقط يومان و أعود إلى الديار لأتعمّد من جديد في مياه نهر الأردن و التي سَتَمْسَحْ آثار القدم الهمجية .
اتّصلتُ مع أحْمَد و لحسن الحظ وجدته في البيت فطلبت منه أنْ ينتظرني على باب البناية كي يدْفَعَ أُجْرة التاكسي ، و ما أنْ وصَلْتُ إلى البيت إلاّ و أنا أتصبب عرقاً من شدّة الإرهاق و التعب حتّى أنّني أخَذْتُ مفتاح البيت من أحمد و تركته يتكلّم مع السائق .
خَلَعْتُ المِعْطفْ و معظم ملابسي و ألقيت بجسدي و هو شبه عار على الكنبة فبالكاد كان بمقدوري التنفس ، كأنّ الهواء يريد الهروب و يقول للساكنين في المدينة المبْنِيَةِ على الجماجم و الأشلاء : ما من أحد منكم يستحق أنْ يتنفسني ، أحضر أحْمد جهاز قياس ضغط الدّم ليقيس ضغطي الذي بعد أن قرأ النتيجة أسرع إلى المطبخ ليحضر كوب ماء شديد الملوحة و جعلني أشربه عنوةً و الذي بعده بدقائق غَرِقْتُ في نوم عميق لم أستيقظ منه إلاّ في ظهر اليوم التالي .
عندما نهضت من النوم وجدت أحمد قد أعدّ طعام الغداء و على مائدة الطعام سألني :
- هل تورطت مع تلك الفتاة في مشكلة ؟
- لا بل جعلتني أوافقك الرأي على كل آرائك …
- بعد أن ننتهي من تناول الطعام ، أريد منك أنْ تُخْبِرني ما الذي حدث معك البارحة بالتفصيل ، فما هي حكاية تلك الفتاة فقد أوشَكْتُ على نقلك إلى المستشفى ؟
- لهذه الدرجة كنت مُتْعَباً ؟!
- كُنْتَ تُعاني من انخفاض كبير في الضغط ، و الحمد الله على سلامتك …
- الله يسلمك …
أخْبَرْتُ أحمد عن مأساة لارا ، و عن إلياس الأحْمق الذي عاد إلى الديار و هو جالس على كرسي متحرِّكْ ، فنهار البارحة كان حافلاً بالنّهايات الحزينة لطموحات ساذجة ، مسرحية تختلط فيها الكوميديا مع التراجيديا ، أمّا أبطالها فهم من الحمقى الذين يلعبون أدوارهم على خشبة مسرحٍ هشّة مليئة بالثقوب تطفو على سطح بحر الظلمات الهائج ، و فور انتهائي من الحديث أخرج من جيبه خمسةٌ و عشرون دولاراً و أعطاني إياها و قال :
- أرجو أنْ لا تحْرِمَني يا صديقي من أجر إغاثة الملهوف ، و تقبل مني هذا المبلغ كي أكون شريكك في فعل الخيرات …
- ماشي يا أحْمد سآخُذْ منك هذا المبلغ ، فأنت تستحق هذا الأجر من الله و لن أستكثره عليك …
- أصيل يا حنا …
علّق أحْمَد عل ما سَمِعَهُ مني بإسْهاب ، فقد ألْقى على مسْمَعي بمحاضرة طويلة توقع فيها انهيار الحضارة الغربية القائمة على الرأسمالية الجشعة و القبيحة في نفس الوقت ، فذهب إلى تشبيه طُغاة هذا العصْر بقوم نوح عليه السّلام ، الذي بقيَ يدعو قومه إلى عبادة الله و الكف عن المعاصي و الرذائل مئات السنين من دون جدوى ، و كانت النهاية أن دعا عليهم و رتّل أحمد الآية القرآنية " و قال نوحٌ رّبّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا * إنّك إنْ تَذَرْهُمُ يُضلّوا عِبادَكَ و لا يلدوا إلاّ فاجراً كفّارا " ، فاستجاب له ربّه و أغرقهم و نجا نوح و قومه المؤمنين . أمّا هذه الحضارة الجديدة فالذنوب التي تقترفها فاقت ما اقترفه قوم نوح من حيث النوعية و الفظاعة ، فالذنوب المُقْتَرَفة تتراوح ما بين نهب ثروات الشعوب الفقيرة و قتل الأبرياء إلى تقنين الفواحش كاللواط و السحاق و الزنا بغطاء الحريّة و الديمقراطية ، فالذي يَحْكُمْ و يُصْدِرْ القوانين مُنْتَخَبْ من قبل الناس الظالمين لأنفسهم ، نعم فقد اقترب السباق من نهايته و المتسابقون يلهثون باتّجاه الهاوية السّحيقة التي ستودي بهم إلى الجحيم .
انخفضت درجة الحرارة تلك الليلة و تساقَطَتْ الثلوج بكثافة ، حتى أنّنا قد ظنّنا بأن العذاب قد وقع علينا و عليهم و لكنّه لم يكن كذلك ، و بسبب البرد الشديد لم نَخْرُج من البيت إلاّ بعد يومين و هو يوم الرحيل المنْتظر و الذي لم ننظر فيه ورائنا و نحن في طريقنا إلى المطار ، و طلبنا من السائق أن يُسْرِع الخُطى باتّجاه المطار فقد تأخّرنا كثيراً بسبب تساقط الثلوج ، و لحسن حظّنا فقد وصلنا إليه قبل موعد إقلاع الطائرة بساعة واحدة فقط ، أنْهينا إجراءات المغادرة و هرولنا مسرعين شاكرين الله إلى قاعة الركوب التي لم نُمْضي الكثير من الوقت فيها ؛ لِتُحَلِّقَ الطائرة بنا في رحلة العودة إلى الأرض المباركة ، و التي لن أسْمَحَ لنفسي بمجرّد التفكير بمغادرتها مهاجراً مرّة أُخرى ، فالزّعّارُ و الدّعار هم الذين يجب عليهم التفكير جدّياً بمغادرتها بعدما أهْلكوا الزّرْعَ و الحَرْثَ و النّسْل .
معالم القَلَقْ و الحزن كانت ترْتَسِمُ على وجوه النّاس التائهة الحائرة لحظة خروجنا من الطائرة ، فالمطار كان فيه حركة غير عاديّة لرجال الشرطة و العَسَسْ ، و قبل انتهائنا من إجراءات الدّخول سَمِعْنا صرْخة مدوِّية حزينة لأحد العساكر ، فقد تفجّرت من عينيه ينابيع الدّموع و هو يقول : سيدنا مات ، ماتَ الملك ..
إنّه الموت وحده القادر على خطف الأحياء و حجزهم في عالم برزخيّ غير مُتَضِّحَ المعالم ، فبسببه تلتحف عمّان السواد حداداً على الراحل الكبير ، فالكل يحاول تأجيل رحلة الموت قَدْر الإمكان ، و لكنهم يفشلون في نهاية المطاف و يعلنون أنْ لا خُلود للإنسان على سطح هذا الكوكب لِتَرْقُدَ الأجساد تحت التراب مُنْتَظِرةً أنْ تُبْعَثَ من جديد لتحقيق العدالة الإلهية المُطْلَقة ، إنّا لله و إنّا إليه راجعون .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : على ضفاف نهر الدموع / رواية | السمات:على ضفاف نهر الدموع / رواية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 14th, 2006 at 14 سبتمبر 2006 5:06 م
يعجز المداد عن القول ومد السطر بالعبارات …. إنك رائع .. رائع يا أخي ما شاء الله … تقديري وإحترامي الوفير لشخصك وأسلوبك الرائع .