- الفصل الثالث –
توجّهنا في صباح ذلك اليوم إلى جنوب مانهاتن و بالتحديد إلى البارتي باركيتغ حيث تنطلق العبّارة البحرية إلى جزيرة الحريّة و التي أيضاً تُعْتبر من أهم المناطق التي تجذب الحجّاج المؤمنين بأفكار أمريكا ، فعلى الأقل تستقبل هذه الجزيرة أكثر من مليونين زائر سنوياً كما أخبرني أحمد ، فمثلاً يزور السيّاح الأهرامات في مصر للوقوف على أطلال حضارة بائدة لن تعود و لكنّهم عندما يزورون عرش الليدي ليبيرتي في تلك الجزيرة فإنّهم يستشرفون المستقبل و يجدّدون البيعة و يقدّمون لهُبَلْ العصر القرابين .
انطلقت العبّارة البحرية باتّجاه جزيرة الحريّة مُبْحِرةً في ذلك الجيب البحري الذي تحتضنه البنايات الشاهقة التي كأنّها تبعث بتحيّاتها إلى التمثال صباح مساء و تشكره على ترحيبه بالقادمين الجدد و على شحنه أيضاً لهم بالإرادة القويّة التي مكّنتهم من تشييدها و إعلاء شأنها بين باقي مدن العالم .
وصلنا الجزيرة و بدأتُ أشعر بالذهول من جمال تمثال الليدي ليبيرتي الذي له هيبة مستمدة من فكرة الحرية أو بالأحرى من قوة أمريكا سألت أحمد عن التمثال قبل اقترابنا من قاعدته فأجابني بإسهاب و قال : يا حنا يصوّر التمثال الحريّة على أنّها سيّدةٌ عظيمة الكبرياء تقف شامخةً تلتحف ردءاً فضفاضاً تظهر رشاقتها من طيّاته ، و التاج الذي على رأسها له سبعة رؤوس مدبّبة ترمز إلى قارات و بحار العالم و تحمل بيدها اليمنى شعلة الحريّة ، و انظر خلف التمثال ستجد العلم الأمريكي مختبئاً خلف فكرة الحريّة و التي أعتقد أنّها فكرةٌ خيالية عدا أنّها فضفاضة كالرداء الذي ترتديه السيّدة حريّة ، فأي حرية يمكن لأمريكا أن تُعْطيها ؟!!!!
و أجاب عن هذا التساؤل بأنّ الحريّة في تلك البلاد ما هي إلاّ عبارة عن سجن كبير فرضه رأس المال على الناس و الذي بدوره حوّلهم إلى قطعان من المستهلكين اللاهثين وراء تحقيق رغباتهم المادّية و الجسدية ، فقد ألغى إلهُ هذه الحضارة قدسية أي قيمة إنسانية موروثة و استبدلها بقدسيةٍ أخرى و هي قدسية السوق ، فأنت تجد أغلبية الأمريكان بسطاء و أفكارهم تمتاز بالسطحية ، فوسائل الإعلام تتلاعب بعقولهم كيفما تشاء و تجعلهم يمارسون لعبة الحريّة تحت كذبة كبيرة اسمها الديمقراطية ، فهل أنت تمارس الحرية عندما تُخيَّرْ بين شيئين متشابهتين لا يختلفان إلاّ في العنوان ، حقاً إنّه طغيان الرأسمالية الذي ستعاني منه الإنسانية خلال القرن الحادي و العشرين .
سَلَبَ هذا الطغيان من البشرية ثرواتها و وضعها بأيدي حفنةٍ من الأشخاص و التي ربّما لا تتعدى المئات ، طغيان تدعمه قوة عسكرية كونية تسعى إلى عولمة الظلم و سلب ثروات الشعوب ، فعولمة الطغيان تستدعى عولمة مقاومته و توحيد القوى الصادقة في العالم لهزيمته في الشوط الأخير من لعبة الحريّة المزيّفة ، فلا بدّ من التوقف عن الاستهلاك و محاربة ثقافته المقيتة ، فالإنسان كائن كرّمه الله و أسكنه الأرض كي يعبده فيها و يبنيها و عليه الاستهلاك بما تقتضيه هذه الحاجة ، و إذا تُرِكَتْ الرأسمالية الجشعة من دون مقاومة فعلى كوكبنا السلام و ستكون البيئة من أول ضحاياها و ستنقرض الكثير من الكائنات ، فالمقاومة ستفضح قباحة الرأسمالية الغربية و تعريها أمام شعوب و أمم الأرض .
و بينما كان يتكلّم بإسهاب عن قباحة أمريكا تذكّرتُ تلك الكلمات التي قالتها إيما لازاريوس و لكن بشكل مختلف هذه المرّة ، فيبدو لي أنّ المسكينة كانت تحلم بالمدينة الفاضلة التي لا وجود لها إلاّ في خيال أفلاطون ، و حقاً لا أدري لماذا أهداك الفرنسيون للأمريكان أيكافئونهم على قتلهم و إبادتهم للهنود الحمر ، فما أقبحك من حضارة و ما أكذب قِيَمَكِ التي لا وجود لها ، إنّه حقاً خداع النصّابين و مكرهم فهم لم يتوقفوا عند سرقة ثروات الشعوب فقط بل سرقوا عقول تلك الشعوب و أمركوها و جعلوها خادمةً لمصالحهم ، و من لم يؤمرك عملوا على أمركته و هو في أرضه ، فقد تمّ تجنيد البشرية لخدمة دورة رأس المال لصالح الفئة القليلة الفاسقة من سكّان الأرض إنّها مرحلة العبودية الأخيرة بالنسبة للبشرية .
يريدون فرض عولمة بلاهة و سذاجة المجتمع الأمريكي على المجتمعات الأخرى ، فهم الآن يحاربون القيم الإنسانية المستمدّة من الديانات المختلفة للأمم فهم يريدون مجتمعاً ساذجاً تستطيع وسائل الإعلام التلاعب في رأيه العام ، فإذا أصبح كذلك فله لعبة ممتعة اسمها الديمقراطية ، و في حالة رفض الشعوب لهذا النوع من العولمة فسوف يسلّطون عليها رامبو قاهر الأخلاق أو يعاقبون تلك الشعوب بدعم الأراذل و الحثالة فيها .
يا سيّدة الحريّة
أعْطَيْتُكِ فقري فألبستني ثوب الذل و العبودية
رميت عليك تعبي فلم أعُدْ أشعر بالأمن و الاطمئنان
جئت لاهثاً أريد ضمّك و تقبيلك
و لكنني الآن
أطوق للعودة من حيث أتيت
فلن أقبِّلكِ و لن أضمَّكِ يا كاذبة
تجوّلنا في أرجاء جزيرة الدجّالين و قمنا بالتقاط بعض الصور التذكارية ، و لكن الوقت لم يُسْعِفنا بالدّخول إلى التمثال ، فقد حان وقت العودة إلى واقع نيويورك ، و في طريق العودة بدأ الجو يزداد برودةً و بدأ الثلج يتساقط من جبال الغيوم التي كانت تتلبّد في سماء نيويورك بكثافة . و عدنا إلى البيت بعد يوم حافل أمضيناه بالتنزه و النقاش .
نهضت في صباح اليوم التالي فوجدت أحمد و قد أعدّ قهوة و فطور الصباح و جلسنا لنستمتع بصوت فيروز الصباحي ، فقد كانت ترتل إلياذة عظيمة :
يا قدس يا مدينة الصلاة
أصلي
عيوننا إليك ترحل كل يوم
الطفل في المغارة و أمّه مريم وجهان يبكيان
و ستمسح يا نهر الأردن آثار القدم الهمجية
لم ننبس ببنت شفه أثناء تأدية فيروز لتلك الإلياذة الملّحنة بآهات جراحنا ، فقد سبرت غورنا ليبدأ الجرح بالنزف من جديد .
و في تلك الأمسية دعاني أحمد كي أتناول طعام العشاء معه خارج البيت ، فاتّجهنا إلى شارع كلارك باستخدام المترو أو الساب وي ، و كان علينا استخدام قطارين للوصول إلى ذلك المطعم الذي يقع تحت جسر بروكلين و يسمّى الريفر كافييه و الذي تدخل إليه من بين أشجار الزينة و الزهور المزروعة في قوارير بيضاء و التي تُعْتَبرْ أول المرّحبين بالزبائن من خلال الرائحة الذكية التي تنشرها في الهواء لتفتح الشهيّة .
يعتبر الريفر كافييه من أفضل و أشهر مطاعم نيويورك و أجملها على الإطلاق ، فهو يجذب الأزواج الشابّة على إقامة حفلات زفافهم فيه ، فهو في حالة عشقٍ دائمة لضفاف نهر هيدسون ، و بالفعل فقد شعرت بنوع من الارتياح في ذلك المطعم لا سيّما عندما جلسنا على طاولة تزيّنُها إنارة تلهب التحام الزبون بالمكان و تجعله يخرج منه قائلاً فيه قصائد مدحٍ ، لاحظت أنّ كل من في المطعم بحيي صديقي أحمد :
- هل أنت زبون هنا يا أحمد ، فيبدو لي أنّ الكلّ يعرفك ؟!
- نعم ، فأنا أتردد على هذا المطعم بانتظام فالجلسة فيه أكثر من رائعة
- نعم بالفعل فهو مطعم جميل
- انظر يا حنا إلى جدران المطعم الزجاجية
- تمعّنْتُها جيداً ، فهي توحي لك بأن نيويورك تحتضنك بين ناطحات سحابها و أبراجها العالية فكأنّ المطعم يضاء بأنوارها
لم نطلب طعام العشاء مباشرةً فقد كنّا نرغب باحتساء القهوة الساخنة و أخذنا نتكلّم عن المستقبل فموعد سفرنا تحدّد في اليوم الثالث من شهر فبراير عام 98 ، فأحمد سيعمل في رام الله أمّا أنا فسأبحث عن عمل في عمّان و قلت له :
- يا صديقي لا شيء يدعو للتفاؤل ، و لا أدري إن كان هناك عدالة إلهية في هذا العالم
- يا حنا لا تخف ألا تعرف أنّ الأرزاق بيد الله سبحانه و تعالى ألم تسمع بقصة تلك المرأة التي عاتبت ربّها في مجلس النبي داوود عليه السلام ؟!
- لم أسمع بها هيا اروي لي هذه الحكاية لعلّها تواسيني
- دخلت امرأة على مجلس النبي داوود و سألته : يا نبي الله ربُّكَ ظالمٌ أم عادل ؟ فأجابها النبي مستنكراً سؤالها : و يحك يا امرأة فالله هو العدل الذي لا يجور ، فسألها عن حكايتها فقالت : أنا أرملةٌ عندي ثلاثة أطفال أقوم عليهم من غزل يدي فلمّا كان أمس شدّدتُ غزلي في صرّة حمراء و بينما أنا في طريقي إلى السوق و إذا بطائر انقضَّ على الصرّة و طارَ بها بعيداً ، و أنا الآن حزينة لا أدري من أين سأُطْعِمُ أطفالي ، و بينما المرأة تتكلّمُ مع داوود عليه السلام و إذا بعشرة رجال يستأذنون كي يدخلوا مجلس النبي فأذن لهم ، و بعد التحية أعطى كل واحد منهم النبي مائة دينار و سألوه إعطائها لمستحقّيها ، فسألهم عن سبب عطائهم فقالوا : يا نبيّ الله كنّا في مركب فهاجت علينا الريح و أشرفنا على الغرق و إذا بطائر يلقي علينا صرّة حمراء فيها غزل فسددنا عيب المركب فهانت علينا الريح و انسدّ العيب و نذرنا بأن يتصدّق كلّ واحد منّا بمائة دينار و هذا المال بين يديك فتصدّق به على من أردت . فالتفت داوود عليه السلام إلى المرأة و قال لها : ربٌ يتجر لك في البر و البحر و تجعلينه ظالماً و أعطاها الألف دينار و قال أنفقيها على أطفالك . تأمّل يا صديقي رحمة الله و كن على ثقة بأنّك ستأخذ ما قسمه الله لك .
- يا سلام ، نعم صدقت
و بينما كنّا نتحدّث دخلت عائلة إلى المطعم و إذا بها تجلس على الطاولة المجاورة لنا ، فقد كان رجلاً ضخماً في الخمسين من عمره و كان بصحبته امرأة كبيرة يبدو أنّها زوجته و أخرى صغيرة و ما أنْ رأيتها إلاّ و أنا أقف إكباراً و إجلالاً لهذا الجمال فقد كانت سمراء رشيقة عيناها خضراوان و ترتدي ثوباً مخملياً ذهبي اللون مصنوعاً من الشوموا ، كانت مفاتنها الشرق أوسطية بارزة كالشمس الساطعة في صحراء بلادنا ، تسمّرت مكاني و عيناي أبحرتا في مفاتنها و لاحظ أنني أنظر خلفه فالتفت ليعرف سبب فقداني التركيز .
- أيوة حنا هل سيكون ختامها شقاوة ؟
- لا أدري و لكنّها تستحق المطاردة ، التفت إليها و قل لي رأيك
- كيف لي أن ألتفت ألم ترى الغوريلا الذي برفقتهم ؟!!!
- إنّها تكلّمني بعينيها الخضراوان
- و ماذا تقول لك يا دنجوان زمانك ؟!!
- تقول بأنّها تريد أن تتحدث معي ، انظر فقد قامت من مكانها و اتّجهت إلى دورة المياه !
- هل ستذهب أنت أيضاً ؟
- نعم بكل تأكيد ، عن إذنك أحمد
كنت أرغب بالرقص على نغمات تلك الموسيقى الهادئة فسأبدأ الحديث معها باللغة العربية فيبدو لي أنّها من بلادنا :
- عفواً آنستي
- تفضل تكلّمت معي بالعربية فقد كانت من بلادنا كما توقّعْت
- أرغب ، أرغب
- بماذا ترغب ؟! و ابتسمت
- بصراحة أرغب بأن نتعرّف ببعضنا ، هل لي ذلك ؟
- بكل تأكيد و لكن لا أستطيع أن أقف طويلاً هنا ، سأعطيك رقم الهاتف و لا تتكلّم إلاّ إذا سمعت صوتي ، و كلمة السر هي أن تسألني : هل جورج موجود ؟ فأقول نعم يتكلّم اتفقنا
- و لكن ما اسمُكِ آنستي ؟
- اسمي لارا
- و أنت
- حنا
- أوكي حنا سأذهب هيا إلى اللقاء
و عُدْتُ إلى مكاني لأجد أحمد يجلس فيه
- لماذا أخذت مكاني يا صديقي ؟
- لأنّه لا يوجد متسّع من الوقت لهذه الشقاوة
- ماشي يا سيدي أمْرَك
- هل كلّمَتْكْ ؟
- نعم و أعطتني رقم هاتفها
- بهذه السرعة !!!!!!!!!
- و لماذا التعجب ؟
- أُقْسِمْ بأن وراء هذه الفتاة مصيبة ، بإمكانك أن تتكلّم معها من البيت ، و لكن أخبرن ماذا تريد أن تأكل ؟
- طبق من اللحم المشوي
- و أنا كذلك
و بعدما انتهينا من تناول العشاء خرجنا لنتجول في شوارع بروكلين الصاخبة ، فدخلنا شوارع كثيرة لا أذكر أسمائها ، و لكنني لا زلت أذكر بوضوح تلك الأضواء الملوّنة المنبعثة من المباني العالية ، فقد كانت تُغازل الليل لِتَطْرُدَ أشباح ضحايا تلك المدينة المجنونة و الذين كنت أخال أطيافهم تتطاير في أرجاء المكان الذي من قواعد مبانيه تفوح رائحة الدماء المسفوكة ، فذلك طيفٌ لطفلٍ مات و هو يتضور جوعاً ، و هناك في تلك الساحة لَمَحْتُ طيفاً أخاله لأحد الهنود الحمر فقد كان يحمل على كتفه منجلاً فربّما قد أتى لزيارة المكان الذي كان في حقله ، فهنا كان يزرع أرضه و يعيش مع أفراد قبيلته بسلام إلى أن جاء الغزاة من وراء البحار ، فسرقوا أرضه و قتلوه و بقي طيفه يحوم في نفس مكان مسرح الجريمة . ربّما يأتي يوم تتحول فيه هذه الأشباح إلى رياحاً عاتية أو ربّما إلى أعاصير مدّمرة أو ربّما تخترق الأرض لتزلزل الصخور بأمر الله ، فتدمّر هذه القارة منتقمةً من الغزاة فقد يكون ذلك عقاباً من السّماء ، فالجريمة لا تسقط بالتقادم فكيف لها أنْ تسقط إنْ كانت الجريمة بهذه الفظاعة ، فعدالة الله ستنتصر في النهاية و سيجعل الأرض تبتلعهم لما يقترفون من فواحش و آثام و التي بسببها أنزل الله سَخَطَهُ و عِقابه على أمم سابقة ، فالشيء الذي لا شك فيه أنّ العقاب قادم لا محالة ، و إنْ تأخّر فهذا يعني أنّ العقاب سيكون أشدّ و أعتى ، فيتعيَّنَ علينا مغادرة ذلك المكان بسرعة ، أيعقل أن نستبدل الأرض المباركة بالأرض الآثم أهلها ؟!!!!!!!!!!!
و في طريق العودة إلى البيت سألت أحمد سؤالاً لطالما حيّرني :
- أريد منك يا أحمد أن تَصْدقني الإجابة ؟
- تفضل حنا اسأل …
- الكثير من الشباب العربي يحسدونك على وجودك في أمريكا و لا أدري لماذا لم تعمل لأجل الحصول على الجنسية الأمريكية ؟
- لم أفكّر قط بالحصول عليها أو حتى الإقامة في هذه الكذبة ، فأنا هنا في منحةٍ دراسية و قد شارفت على الانتهاء و أتنمى أن ينتهي هذا الأسبوع بسرعة لأعود إلى رام الله ، فأنا لست بالأحمق الذي يحرم نفسه و ذريته من الإقامة في الأرض المباركة و هل أحرم نفسي و أولادي من المشاركة في المعركة الأزلية و المستمرة بين الخير و الشر ، هل تريدهم أن يلعنوني ؟!
- لا أريد ذلك يا أحمد …
كَثُرَ عدد الثملين الذين يخرجون من الحانات ، و كي لا نَعْلَقَ في مشكلة مع أحدهم عُدنا إلى البيت لننام ، ففي الغد سأتكلّم مع لارا لعلّني أختم هذه الرحلة بقصة غرامية ، و كالمعتاد نهضنا من النوم و قمنا بتحضير طعام الإفطار و قهوة الصباح و جلسنا نشاهد الأخبار العالمية ، و إذا بنا نشاهد الملك الراحل يجلس على ظهر سيّارة بيضاء و يلوِّحُ بيده للناس المصطفين تحت المطر لاستقباله على جانبي الطريق ، شعور غريب راودني بأنّها تحية الوداع الأخير ، فنحن نعيش على الأرض عشرات السنين و في نهاية المطاف نُغادِرُها أجْساداً هامدة ، ليَضَعُنا مَنْ بَقِيَ فوق التراب تحت التراب ، إنّه درس يتكرّر يومياً منذ أنْ خلق الله الحياة .
اتّصَلتُ بلارا في فترة ما بعد الظهر ، ليسري صوتها في جسدي و كأنّه تيار كهربائي يُشْعِلً ما تأجّجَ في النفس من رغبات مكبوتة ، صوت ناعم أبحر في أذني ليرسوا على شواطئ الذّاكرة في بحر مجنون تحرِّكُ الشهوةُ و الرغبةُ تيّاراته المائية القوّية التي تُغْرِقُكَ و تجذبك إلى القاع حيث الشعاب المرجانية الجذّابة و السّامة في نفس الوقت .
- هالوا
- هل جورج موجود ؟
- يتكلّم
- كيف حالُكِ لارا ، و هل تذكرينني ؟
- و كيف أنْساك يا حنا ؟
- هل تعْلمِينَ أنّ صورتك لا زالت عالقةٌ في الذاكرة و كأنّ الأنوثة اختُصِرَتْ في محيّاكي
- شكراً على المجاملة فجأة اضطرب صوتها
- حنا
المزيد