عبور نهر الدموع …الطريق إلى القدس

أيلول 22nd, 2006 كتبها باسم محمد فارس نشر في , على ضفاف نهر الدموع / رواية

هذا هو الفصل الأخير من رواية على ضفاف نهر الدموع ، و  الفصول جميعها موجودة في فئة الرواية / على ضفاف نهر الدموع

 استمع إلى هذه الأغنية على هذا الرابط و هذه هديتي لزوار مدونتي بمناسبة حلول شعر رمضان المعظم http://switchboard.real.com/player/email.html?PV=6.0.12&&title=woqofan%20kalachjar&link=http%3A%2F%2Fa.amaaz.free.fr%2Fchakir%2Fchansons%20chakir%2Fwoqofan%20kalachjar.rm

 نهض الأصدقاء الثلاثة في ساعة متأخرة من ذلك اليوم الذي لم يشهدوا مثله من قبل إنّه اليوم الأول بعد رحيل القائد الذي لم يعرفوا غيره ، و لكن هذه سنة الله في خلقه و لا تبديل لها فالمتناقضات لا بدّ منها في هذه الدنيا الفانية نبدأ حياتنا بمعجزة الحمل و نفخ الروح و نخرج من أرحام أمهاتنا بمعجزة الولادة و نحيا و من  ثمّ نموت ، لتبقى أرواحنا خارج أجسادنا أكثر من المدة التي تكون بداخلها . سبحان الله الذي خلق كل شيء من العدم إنّا له و إنّا إليه راجعون  .

 

حضرت لهم الخالة طعام الإفطار و جلسوا أمام شاشة التلفزيون ليشاهدوا العالم الذي انتقل إلى عمّان ليشارك في تشييع الراحل رحمه الله ، كانت جنازة مهيبة ربّما لم يشهد التاريخ مثيلاً لها ، فكل الأضداد في هذا العالم قدموا لوداعه و كأنّ الجميع اتفق على صداقته و محبته ، و في تلك اللحظات رنّ جرس الهاتف و نادت الخالة :

 

-       كريم …

-        نعم خالتي …

-        والدك على الهاتف يريدك …

-       على طول …

 

و بعد أن أنهى المكالمة عاد كريم و استأذن حنا في المغادرة لأن والده يريد السّيارة  ،  و أيضاً صابر يريد العودة إلى البيت ، فالأقارب لا يزالون يتوافدون ليهنئوه بالسّلامة ، و لكنّهم قبل أن يغادروا اتفقوا على قضاء يوم الجمعة القادم سوياً على شاطئ البحر الميِّت ليستمتعوا بالأجواء المعتدلة في تلك المنطقة المنخفضة ، التي زاروها آخر مرّة عندما كانوا أطفالاً في المدرسة الإعدادية ، حيث لا يزالون يذكرون زيارتهم لضريح أبي عبيده الجرّاح ، يومها و بينما كان أستاذ التاريخ يخبرهم  عن تاريخ هذا الفاتح العظيم اغرورقت عيونهم بالدموع ، و كلّما اشتدت الأمور على الناس ، فبالأسى يتذكرون  هؤلاء العظماء و التي تحوّلت سيرهم إلى قناديل تضيء النفق المظلم الذي أوغلنا السير فيه و ترشدنا إلى طريق الخلاص ، و لكن لا أدري إنْ كنّا قد أصبحنا من الكائنات الظلامية التي تخاف من الضوء بعد أنْ أطلنا البقاء في هذا النفق المظلم أم لا ، فهل نحن نرغب بالخلاص فعلاً و الخروج إلى عالم آخر تشرق فيه شمس الحق و الحرية و يتسع لنا جميعاً ، أمْ ماذا ؟!!!

 

وفي تلك الجمعة كانت جبال الغيوم لا تزال تقتحم زرقة سماء عمّان ، تتزاحم السحب ، تارة تمطر رذاذاً و تارةً أخرى تجعلك تشعر بأنّها تتردد في تفريغ حمولتها و تتشاور مع نفسها أمطر هنا أم لا أمطر ، يومها انطلقوا بعد صلاة الجمعة ، كان صابر متردداً بين أن يسلك طريق العارضة ذات المنعطفات الخطرة و الهبوط الحاد باتجاه وادي الأردن ، أم أن يسلكوا طريق القدس السريع  و هي أسلم و آمنة أكثر من تلك الخطرة ، استشارهم في هذا الأمر فاختاروا بالإجماع الطريق السريع السهل فلا شيء يستحق المغامرة .

 

أدار صابر مقود السيّارة و اتّجه إلى الشاطئ عبر طريق القدس التي لم تكن تشهد إلاّ حركة بسيطة لبعض سيّارات الأجرة و الحافلات التي تقل المسافرين إلى الأرض المباركة ، كان الحزن على الملك الراحل رحمه الله يظهر في كل مكان من خلال الأعلام السوداء التي يضعها سائقي التاكسيات على سيّاراتهم . و بعد أن قطعوا منطقتي ناعور و العدسية بدءوا يشعرون بأن شيئاً يضغط على آذانهم  بسبب انخفاضهم عن مستوى سطح البحر ، فالآن هم باتجاه وادي الأردن الذي يقع بين سلسلتين من الجبال ، و كلّما ازدادوا نزولاً بدت سلاسل الجبال أكثر شموخاً و كأنّها لا ترغب بالانحناء فربّما تحتاج إلى ملايين أخرى من السنين كي تبدوا بشكل أكثر طواعية و سل

المزيد


فحيح الأفعى

أيلول 19th, 2006 كتبها باسم محمد فارس نشر في , على ضفاف نهر الدموع / رواية

أضاء البرق جبال السحب التي كانت تعبر سماء عمّان و خرق صوت الرعد سكون تلك الليلة الطويلة الفاصلة بين زمنين ، و الصمت أطبق في غرفة الجلوس بعد انتهاء حنا من سرد حكايته المثيرة في نيويورك ، فقد ذهل كلٌ من صابر و كريم لهذا الطرح الذي ما كان لهم أن يتوقعوه من حنا ، الذي عاد بمنطق عقائدي راسخ و حس إنساني مستنير .
 
نادت الخالة أم حنا ابنها و صديقيه لتناول العشاء ، فقد حضّرت الدجاج المقلي و أنواع كثيرة من السلطات ، و بعد أن تناولوا الطعام عادوا إلى المجلس ليخبرهم كريم عن أحواله أثناء غيابهم ، فقد أثار كريم فضولهم عندما أعرب لهم عن عدم رغبته في إخبارهم ما الذي فعله عندما ظلّ لوحده في عمّان ، و لكي يهرب من إلحاحهما تحجج بتأخر الوقت فالساعة كانت تشير إلى الواحدة فجراً ، و لكنّ كريم لم يستطع الصمود على موقفه و أخيراً وافق على أن يخبرهما ، كان كريم شاباً متديّناً ورعاً ، شديد الخجل ، متوسط الطول ، جسمه عبارة عن كتله من العضلات ، حنطي اللون . أعطته ثقافته الواسعة بين أصدقائه لقب المعلّم .
 
ارتشف كريم قليلاً من القهوة الساخنة و بدأ يتكلم …
بعد أنْ سافرتما عملت كباحث في أحد مراكز الدراسات ، كانت تجربة تافه جداً لا تستحق الإسهاب في الحديث عنها ، فقد كان ذلك المثقف لا يعطي أجر العاملين عنده باستثناء الفتيات اللاتي كان ينهمك في مغازلتهن و مطاردتهن ، فبالرغم من اشتعال الشيب في رأسه كنت أرى فيه مراهقاً ساذجاً ، ففي أحد المرّات خرجت إحدى الموظفات من مكتبه و هي تبكي ، من شدة وطأة الكلام الذي سمعته على نفسيتها الرقيقة ، لم يمنع خجل أنوثتها الخلاّبة من أنْ تُخبرني عن صفاقة ذلك الإنسان ، الذي أسرّ لها رغبته في قضاء بعض الوقت معها ، تأكّدت من صدق كلامها عندما لم يعطي أحداً من الموظفين أي شيء من مستحقاته في نهاية الشهر باستثنائها ، ربّما كان يريد أن يثبت لها بأنّها مميّزة و ليست كالباقين ، و لكنني لم أخجل منه فدخلت عليه في مكتبه و طلبت منه أجري ، و بالفعل أعطاني جزءاً منه ، و قال لي بعدما أعود من السفر أعطيك الباقي ، أدركت بأنّه لن يعطيني ما بقي من حقي . و بعد عودته من السفر دخلت عليه مرّة أخرى لأطالبه بالمبلغ المتبقي و لكنّه لم يفعل و على الفور قدّمت استقالتي من تلك الوظيفة البائسة ، فأنا لم أكن أرغب بالدخول مع ذلك الجشع في مشاكل بالمحاكم و التي سأكون مُرْغَماً بدخولها في حالة استمراري في العمل في ذلك المستنقع الآسن ، فوجدت أنهّ من الأفضل لي الانتظار إلى حين تعييني عن طريق ديوان الخدمة المدنية .
 
تفرّغت لممارسة هواياتي المفضلة و هي المطالعة و ارتياد مقهى الرشيد الذي كنت أقرأ فيه عن تلك الأصالة التائه الآخذة بالذوبان ، بعد أن تاه سكّان القرى و البوادي في مدينة إسمنتية ، لم تكن تتوقع بأنّها ستصبح بهذا الحجم الكبير ، و لم أتفاجأ عندما أخبرني أحد الشبان عن صديقهم الذي حفر قبراً و وضع نفسه فيه ، و أخذ يدعو الله أن يأخذ روحه ، فقد أصبحنا رمادَ حريقٍ تَنْثُره الرياح الشتوية على أرض البؤساء ، فربّما يتحول هذا الرماد إلى بذور أمل ستُزْهِرُ في الصيف القادم ؛ لتُعَطِّرَ رياح التغيير بأزهارها ، فلعلّها تكون نَسماتُ فجرٍ شرقية .
 
أريد تفكيك الواقع و إعادة صياغته من جديد ، لفهم فوضى مشاعرنا و حواسنا ، و لكنني بدلاً من فهمه غرقت في بحر عاتيةٌ أمواجُهُ ، فهذا البحر إن لم تذهب إليه فهو يأتيك لينقعك في مياهه الآسنة أينما كنت ، لا زلت أذكر تلك الأمسية الخريفية التي كان فيها الطقس مائلاً للبرودة ، كنت أجلس على شرفة مقهى الرشيد أراقب المارة و المتسوقين ، و كنت مستغرقاً في مراقبتهم ، فتلك فتاةٌ جميلة و هؤلاء مجموعة من السكارى الذين وقعوا في قبضة رجال الشرطة ، فهم يسوقونهم الآن إلى المخفر المتاخم للمقهى ، لم ألحظ أن المقهى كان ممتلئاً عن بكرة أبيه إلاّ بعد أن ضربت فتاةٌ بيدها على كتفي طالبةً مني الإذن بالجلوس على الكرسي المقابل لي ، فسمحت لها بالجلوس لنكون شركاء في نفس الطاولة .
 
من المتجولين الأجانب في عمّان خلال السنوات الخمسة الماضية ، لها شعر أشقر و بشرة بيضاء مائلة للاسمرار ، لم تتحرك مشاعري الغرائزية نحوها ، فقد كانت رثة الثياب تحمل حقيبة ملابسها بيدها ، فقد كثر هذا النوع تضع بأذنيها قرطين فضيين ، و تزيّن أصابعها بخواتم فضية و رجلها اليمنى أيضاً بخلخالٍ فضيّ مذّهب ، لم أُعِرْها أي اهتمام و ظللت سارحاً مع الوجوه التي في طيّاتها حزن دفين و كأن الأزَلَ عُمْره ، ربّما لهذا السبب تبدو عليهم الشدّة و الغلظة ، و مرّة أخرى تخرجني هذه الفتاة من حالتي تلك فقد كانت تريد الإذن كي تشعل سيجارتها من ولاّعتي :
-                        لا تحتاجين الإ‍‍ذن ، فقد أخذت الولاّعة
-                        آسفة
-                        لا تتأسفي
 
تغيّرت معالم وجهها و بدا استيائها من فظاظةٍ اعتَقَدَتْ أنني عامَلْتُها بهاً حتى أنّها سألتني :
 
-                        هل جميعكم في عمّان هكذا تغضبون بسرعة ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
-                        بالعكس ، لو كنّا نغضب بسرعة ربّما لهابَنَا الآخرين ، و لكنّنا هادئون و بالنا      طويل
-                        و لكن يبدو أن مزّاجك عَكِرٌ في هذه الأمسية
-                        ربّما ..
-                        لا بكل تأكيد فأنت لست على ما يرام
-                        هل عندكِ دواء لي كي أصبح على ما يرام ؟!!!!!!!!!!
 
لقائي الأول بها كان درامياً ، فقد كانت تضحك كلّما تذكّرته لظنّها بأنني كنت أتهكّمُ عليها ، و لكنّ الذي يضحكني و يبكيني الآن هو كلّما تذكّرت الدواء الذي وَصَفَتْهُ لي لكي أصبح على ما يرام ، فقد كاد أن يقودني إلى الهاوية السحيقة لعالمٍ مجنون :
 
-       نعم عندي دواء سيجعلك تتحرر من قيدك الذي أدماني
-       أسرعي إليّ به يا آنستي
-       نعم ، هيا اطلب من النادل فنجانين من القهوة التركية لي و لك ، فأنا قد قبلت دعوتك
-       رائع
 
قهقهات ضحكاتنا في شرفة المقهى الصغيرة تعالت ، و أخذ روّاد المقهى ينظرون إلينا باستغراب ، فهذا النوع من الضحك فقده المجتمع الذي أنهكه البحث عن لقمة العيش ، و التي بالكاد يمكن الحصول عليها . حتى أنّه شاع الحديث عن الموت و اليوم الآخرة و عذاب القبر في الجلسات الشبابية و التي كان من المفترض أن تكون مليئة بالتفاؤل و حب العمل و الحياة ، فديننا أمرنا بالعمل و اعتبره نوع من أنواع العبادة . و اليأس دفع بالبعض الآخر إلى اللامبالاة و الاستهتار ، فوقعوا في براثن الإدمان على الخمور و المخدرات و ازدهرت الدّعارة ، ولا حول و لا قوة إلاّ بالله .
 
طلبت من النادل فنجانين من القهوة واحد لي ربّما يساعدني في الإفاقة من حالة اللاممكن التي أدخلتني فيها هذه الفتاة ، أمّا الآخر فلها و بالتأكيد سيجعلها أكثر يقظة لأظل أسيراً في حالة اللاممكن و التي تبقيني عالقاً على حافة الهاوية . كانت القهوة سادة قليلة السكر فالنادل يعرف بأنني أحبها هكذا ، و لكن مرارتها لم تعجبها ، فطلبت قطعة سكر لتحلي مذاق قهوتها .
 
-       أحتاج إلى قليل من السكر
-       عليك أن تضعي فقط إحدى أصابعك في الفنجان فتصبح القهوة عسلاً يا
-       شكراً على هذه المجاملة اسمي شانون غريغ ، و أنت ؟
-       كريم
-       من أين أنتِ يا شانون ؟
-       من الولايات المتحدة الأمريكية ؟
-       أهلاً و سهلاً
 
عندما عرفت أنّها من تلك البلاد ازدادت رغبتي في التعرف عليها ، أريد فهم الكيفية التي يفكر فيها ذلك الشعب العجيب الذي يدّعي بأنّه عنوان الحرية و القيم الإنسانية في هذا العالم التائه ، الذي لا يعرف كيف يغضب . و مع جنوح الظلام بدأ صوت أم كلثوم يطرب الساهرين المتسامرين في الرشيد ، كانت تغني رباعيات الخيّام ، كنت أظن شانون لا تعرف هذا الصوت الذي لا أجد غيره لأفاخرها به ، فأم كلثوم هي الوحيدة من هذا العصر الرديء لأمتنا و التي استطاعت أنّ تشق لها طريقاً في عالم الخلود الأبدي ، استطاعت بصوتها أن تخرجنا من غابة الهزائم إلى غابة الأحلام التي تتسع لآمالنا في الوصول إلى عالم الممكن . لم تكن شانون تعرف السيدة أم كلثوم بل كانت تستمع لها و تدندن ألحانها .
 
-       هل تعرفين أم كلثوم ؟!
-       طبعاً و من لا يعرف الست          نطقت كلمة ست باللغة العربية
-   و لكن من أين لكِ كل هذا الاهتمام بالسيدة ، فهناك الكثير من الشباب العرب    يفضلون الاستماع إلى موسيقى البوب و غيرها من أنواع الموسيقى الغربية الصاخبة
-   نعم أعرف ، و لكن هؤلاء مثلهم مثل شباب أمريكا ، سيكونون أمريكان و لكن بدون أن يحملوا  الجنسية ، أمّا أنا فأفضل التعامل مع الشرقيين الحقيقيين ..
-       إذن أنت مهتمة في الشرق ؟
-       جيد و هل أنت الآن تقومين في بحث معيّن ؟
-       نعم كريم ، و البحث هو حول كيفية تشكيل الرأي العام في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا ..
-       بحثكِ صعبٌ و شائك ، يتطلب منكِ دراسة التاريخ و العلوم المرتبطة به ..
-   بكل تأكيد ، و لكن يا كريم أم كلثوم تثير اهتمامي من حيث شهرتها ، فبالرغم من القيود الدينية و الاجتماعية عندكم نجدها قد اخترقت هذا الحاجز ليس هذا فحسب بل تحظى باحترام كبير عند الكبير قبل الصغير ، ألا يوجد هناك تناقض ؟!!
-    ربّما يكون تناقض ، و لكن لا تنسي أنّ لكل قاعدة شواذ ، لا سيّما و أنّ أم كلثوم وحدّت مشاعر الناطقين باللغة العربية ، غنّت للإنسان العربي كيفما كان ، عاشقاً أو مهزوماً أو منتصراً ، و السبب الأهم في جعل الناس يحترمونها هي احترامها للدّين و ابتعادها عن الأراذل من الناس ..
-       الدّين مرّة أخرى ، لا أدري يا كريم لماذا للدين عندكم كل هذا التأثير فنحن قد تحررنا منه …
-   لا يمكن للشرق أن يتحرر من الدين فلولا ما كان الشرق شرقاً ، فالعرب لم يكن خروجهم من جزيرتهم لنهب الأمم و الشعوب الأخرى و لكنّهم خرجوا لنشر قيم و أخلاق جديدة فتحرر الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ..
-       عفواً ما هو دليلك أنّهم لم يخرجوا لدوافع اقتصادية أو استعمارية ؟
-   شانون الحقيقة واضحة و ساطعة كسطوع الشمس ، انظري إلى الشعوب التي حكمها العرب لا  زالت مسلمة و أيضاً فما زالت تتحدث بلغاتها كالفرس في إيران أو الأمازيغ في شمال إفريقيا علماً بأن هذه الشعوب حكمت من العرب لمئات من السنين
-       أتفق معك يا كريم في هذا الأمر ، و لكن لماذا لا تقبلون التطور و السير في ركب الأمم الأخرى ؟
-   لأن الغرب بكل بساطة يا آنستي لا زال يرى الخطر عليه من جنوب المتوسط ، و هو دائماً المعتد لذلك فهو يهزم دائم


المزيد


على ضفاف نهر الدموع / الجزء الثاني: القلوب الكسيرة / ف3 : الأشلاء المبعثرة

أيلول 14th, 2006 كتبها باسم محمد فارس نشر في , على ضفاف نهر الدموع / رواية

- الفصل الثالث

توجّهنا في صباح ذلك اليوم إلى جنوب مانهاتن و بالتحديد إلى البارتي باركيتغ حيث تنطلق العبّارة البحرية إلى جزيرة الحريّة و التي أيضاً تُعْتبر من أهم المناطق التي تجذب الحجّاج المؤمنين بأفكار أمريكا ، فعلى الأقل تستقبل هذه الجزيرة أكثر من مليونين زائر سنوياً كما أخبرني أحمد ، فمثلاً يزور السيّاح الأهرامات في مصر للوقوف على أطلال حضارة بائدة لن تعود و لكنّهم عندما يزورون عرش الليدي ليبيرتي في تلك الجزيرة فإنّهم يستشرفون المستقبل و يجدّدون البيعة و يقدّمون لهُبَلْ العصر القرابين .

انطلقت العبّارة البحرية باتّجاه جزيرة الحريّة مُبْحِرةً في ذلك الجيب البحري الذي تحتضنه البنايات الشاهقة التي كأنّها تبعث بتحيّاتها إلى التمثال صباح مساء و تشكره على ترحيبه بالقادمين الجدد و على شحنه أيضاً لهم بالإرادة القويّة التي مكّنتهم من تشييدها و إعلاء شأنها بين باقي مدن العالم  .

وصلنا الجزيرة و بدأتُ أشعر بالذهول من جمال تمثال الليدي ليبيرتي الذي له هيبة مستمدة من فكرة الحرية أو بالأحرى من قوة أمريكا سألت أحمد عن التمثال قبل اقترابنا من قاعدته فأجابني بإسهاب و قال : يا حنا يصوّر التمثال الحريّة على أنّها سيّدةٌ عظيمة الكبرياء تقف شامخةً تلتحف ردءاً فضفاضاً تظهر رشاقتها من طيّاته ، و التاج الذي على رأسها له سبعة رؤوس مدبّبة ترمز إلى قارات و بحار العالم و تحمل بيدها اليمنى شعلة الحريّة ، و انظر خلف التمثال ستجد العلم الأمريكي مختبئاً خلف فكرة الحريّة و التي أعتقد أنّها فكرةٌ خيالية عدا أنّها فضفاضة كالرداء الذي ترتديه السيّدة حريّة ، فأي حرية يمكن لأمريكا أن تُعْطيها ؟!!!!

و أجاب عن هذا التساؤل بأنّ الحريّة في تلك البلاد ما هي إلاّ عبارة عن سجن كبير فرضه رأس المال على الناس و الذي بدوره حوّلهم إلى قطعان من المستهلكين اللاهثين وراء تحقيق رغباتهم المادّية و الجسدية ، فقد ألغى إلهُ هذه الحضارة قدسية أي قيمة إنسانية موروثة و استبدلها بقدسيةٍ أخرى و هي قدسية السوق ، فأنت تجد أغلبية الأمريكان بسطاء و أفكارهم تمتاز بالسطحية ، فوسائل الإعلام تتلاعب بعقولهم كيفما تشاء و تجعلهم يمارسون لعبة الحريّة  تحت كذبة كبيرة اسمها الديمقراطية ، فهل أنت تمارس الحرية عندما تُخيَّرْ بين شيئين متشابهتين لا يختلفان إلاّ في العنوان ، حقاً إنّه طغيان الرأسمالية الذي ستعاني منه الإنسانية خلال القرن الحادي و العشرين .

سَلَبَ هذا الطغيان من البشرية ثرواتها و وضعها بأيدي حفنةٍ من الأشخاص و التي ربّما لا تتعدى المئات ، طغيان تدعمه قوة عسكرية كونية تسعى إلى عولمة الظلم و سلب ثروات الشعوب ، فعولمة الطغيان تستدعى عولمة مقاومته و توحيد القوى الصادقة في العالم لهزيمته في الشوط الأخير من لعبة الحريّة المزيّفة ، فلا بدّ من التوقف عن الاستهلاك و محاربة ثقافته المقيتة ، فالإنسان كائن كرّمه الله و أسكنه الأرض كي يعبده فيها و يبنيها و عليه الاستهلاك بما تقتضيه هذه الحاجة ، و إذا تُرِكَتْ الرأسمالية الجشعة من دون مقاومة فعلى كوكبنا السلام و ستكون البيئة من أول ضحاياها و ستنقرض الكثير من الكائنات ، فالمقاومة ستفضح قباحة الرأسمالية الغربية و تعريها أمام شعوب و أمم الأرض .

و بينما كان يتكلّم بإسهاب عن قباحة أمريكا تذكّرتُ تلك الكلمات التي قالتها إيما لازاريوس و لكن بشكل مختلف هذه المرّة ، فيبدو لي أنّ المسكينة كانت تحلم بالمدينة الفاضلة التي لا وجود لها إلاّ في خيال أفلاطون ، و حقاً لا أدري لماذا أهداك الفرنسيون للأمريكان أيكافئونهم على قتلهم و إبادتهم للهنود الحمر ، فما أقبحك من حضارة و ما أكذب قِيَمَكِ التي لا وجود لها ، إنّه حقاً خداع النصّابين و مكرهم فهم لم يتوقفوا عند سرقة ثروات الشعوب فقط بل سرقوا عقول تلك الشعوب و أمركوها و جعلوها خادمةً لمصالحهم ، و من لم يؤمرك عملوا على أمركته و هو في أرضه ، فقد تمّ تجنيد البشرية لخدمة دورة رأس المال لصالح الفئة القليلة الفاسقة من سكّان الأرض إنّها مرحلة العبودية الأخيرة بالنسبة للبشرية .

يريدون فرض عولمة بلاهة و سذاجة المجتمع الأمريكي على المجتمعات الأخرى ، فهم الآن يحاربون القيم الإنسانية المستمدّة من الديانات المختلفة للأمم فهم يريدون مجتمعاً ساذجاً تستطيع وسائل الإعلام التلاعب في رأيه العام ، فإذا أصبح كذلك فله لعبة ممتعة اسمها الديمقراطية ، و في حالة رفض الشعوب لهذا النوع من العولمة فسوف يسلّطون عليها رامبو قاهر الأخلاق أو يعاقبون تلك الشعوب بدعم الأراذل و الحثالة فيها .

يا سيّدة الحريّة

أعْطَيْتُكِ فقري فألبستني ثوب الذل و العبودية

رميت عليك تعبي فلم أعُدْ أشعر بالأمن و الاطمئنان

جئت لاهثاً أريد ضمّك و تقبيلك

و لكنني الآن

أطوق للعودة من حيث أتيت

فلن أقبِّلكِ و لن أضمَّكِ يا كاذبة

 

تجوّلنا في أرجاء جزيرة الدجّالين و قمنا بالتقاط بعض الصور التذكارية ، و لكن الوقت لم يُسْعِفنا بالدّخول إلى التمثال ، فقد حان وقت العودة إلى واقع نيويورك ، و في طريق العودة بدأ الجو يزداد برودةً و بدأ الثلج يتساقط من جبال الغيوم التي كانت تتلبّد في سماء نيويورك بكثافة .  و عدنا إلى البيت بعد يوم حافل أمضيناه بالتنزه و النقاش .

نهضت في صباح اليوم التالي فوجدت أحمد و قد أعدّ قهوة و فطور الصباح و جلسنا لنستمتع بصوت فيروز الصباحي ، فقد كانت ترتل إلياذة عظيمة :

يا قدس يا مدينة الصلاة

أصلي

عيوننا إليك ترحل كل يوم

الطفل في المغارة و أمّه مريم وجهان يبكيان

و ستمسح يا نهر الأردن آثار القدم الهمجية 

لم ننبس ببنت شفه أثناء تأدية فيروز لتلك الإلياذة الملّحنة بآهات جراحنا ، فقد سبرت غورنا ليبدأ الجرح بالنزف من جديد .

و في تلك الأمسية دعاني أحمد كي أتناول طعام العشاء معه خارج البيت ، فاتّجهنا إلى شارع كلارك باستخدام المترو أو الساب وي ، و كان علينا استخدام قطارين للوصول إلى ذلك المطعم الذي يقع تحت جسر بروكلين و يسمّى الريفر كافييه و الذي تدخل إليه من بين أشجار الزينة و الزهور المزروعة في قوارير بيضاء و التي تُعْتَبرْ أول المرّحبين بالزبائن من خلال الرائحة الذكية التي تنشرها في الهواء لتفتح الشهيّة .

يعتبر الريفر كافييه من أفضل و أشهر مطاعم نيويورك و أجملها على الإطلاق ، فهو يجذب الأزواج الشابّة على إقامة حفلات زفافهم فيه ، فهو في حالة عشقٍ دائمة لضفاف نهر هيدسون ، و بالفعل فقد شعرت بنوع من الارتياح في ذلك المطعم لا سيّما عندما جلسنا على طاولة تزيّنُها إنارة تلهب التحام الزبون بالمكان و تجعله يخرج منه قائلاً فيه قصائد مدحٍ ، لاحظت أنّ كل من في المطعم بحيي صديقي أحمد :

-       هل أنت زبون هنا يا أحمد ، فيبدو لي أنّ الكلّ يعرفك ؟‍!

-       نعم ، فأنا أتردد على هذا المطعم بانتظام فالجلسة فيه أكثر من رائعة

-       نعم بالفعل فهو مطعم جميل

-       انظر يا حنا إلى جدران المطعم الزجاجية

-   تمعّنْتُها جيداً ، فهي توحي لك بأن نيويورك تحتضنك بين ناطحات سحابها و أبراجها العالية فكأنّ المطعم يضاء بأنوارها

لم نطلب طعام العشاء مباشرةً فقد كنّا نرغب باحتساء القهوة الساخنة و أخذنا نتكلّم عن المستقبل فموعد سفرنا تحدّد في اليوم الثالث من شهر فبراير عام 98 ، فأحمد سيعمل في رام الله أمّا أنا فسأبحث عن عمل في عمّان و قلت له :

-       يا صديقي لا شيء يدعو للتفاؤل ، و لا أدري إن كان هناك عدالة إلهية في هذا العالم

-   يا حنا لا تخف ألا تعرف أنّ الأرزاق بيد الله سبحانه و تعالى ألم تسمع بقصة تلك المرأة التي عاتبت ربّها في مجلس النبي داوود عليه السلام ؟!

-       لم أسمع بها هيا اروي لي هذه الحكاية لعلّها تواسيني

-   دخلت امرأة على مجلس النبي داوود و سألته : يا نبي الله ربُّكَ ظالمٌ أم عادل ؟ فأجابها النبي مستنكراً سؤالها : و يحك يا امرأة فالله هو العدل الذي لا يجور ، فسألها عن حكايتها فقالت : أنا أرملةٌ عندي ثلاثة أطفال أقوم عليهم من غزل يدي فلمّا كان أمس شدّدتُ غزلي في صرّة حمراء و بينما أنا في طريقي إلى السوق و إذا بطائر انقضَّ على الصرّة و طارَ بها بعيداً ، و أنا الآن حزينة لا أدري من أين سأُطْعِمُ أطفالي ، و بينما المرأة تتكلّمُ مع داوود عليه السلام و إذا بعشرة رجال يستأذنون كي يدخلوا مجلس النبي فأذن لهم ، و بعد التحية أعطى كل واحد منهم النبي مائة دينار و سألوه إعطائها لمستحقّيها ، فسألهم عن سبب عطائهم فقالوا : يا نبيّ الله كنّا في مركب فهاجت علينا الريح و أشرفنا على الغرق و إذا بطائر يلقي علينا صرّة حمراء فيها غزل فسددنا عيب المركب فهانت علينا الريح و انسدّ العيب و نذرنا بأن يتصدّق كلّ واحد منّا بمائة دينار و هذا المال بين يديك فتصدّق به على من أردت . فالتفت داوود عليه السلام إلى المرأة و قال لها : ربٌ يتجر لك في البر و البحر و تجعلينه ظالماً و أعطاها الألف دينار و قال أنفقيها على أطفالك .  تأمّل يا صديقي رحمة الله و كن على ثقة بأنّك ستأخذ ما قسمه الله لك .

-       يا سلام ، نعم صدقت

و بينما كنّا نتحدّث دخلت عائلة إلى المطعم و إذا بها تجلس على الطاولة المجاورة لنا ، فقد كان رجلاً ضخماً في الخمسين من عمره و كان بصحبته امرأة كبيرة يبدو أنّها زوجته و أخرى صغيرة و ما أنْ رأيتها إلاّ و أنا أقف إكباراً و إجلالاً لهذا الجمال فقد كانت سمراء رشيقة عيناها خضراوان و ترتدي ثوباً مخملياً ذهبي اللون مصنوعاً من الشوموا ، كانت مفاتنها الشرق أوسطية بارزة كالشمس الساطعة في صحراء بلادنا ، تسمّرت مكاني و عيناي أبحرتا في مفاتنها و لاحظ أنني أنظر خلفه فالتفت ليعرف سبب فقداني التركيز .

-       أيوة حنا هل سيكون ختامها شقاوة ؟

-       لا أدري و لكنّها تستحق المطاردة ، التفت إليها و قل لي رأيك

-       كيف لي أن ألتفت ألم ترى الغوريلا الذي برفقتهم ؟!!!

-       إنّها تكلّمني بعينيها الخضراوان

-       و ماذا تقول لك يا دنجوان زمانك ؟!!

-       تقول بأنّها تريد أن تتحدث معي ، انظر فقد قامت من مكانها و اتّجهت إلى دورة المياه !

-       هل ستذهب أنت أيضاً ؟

-       نعم بكل تأكيد ، عن إذنك أحمد

كنت أرغب بالرقص على نغمات تلك الموسيقى الهادئة فسأبدأ الحديث معها باللغة العربية فيبدو لي أنّها من بلادنا :

-       عفواً آنستي

-       تفضل                  تكلّمت معي بالعربية فقد كانت من بلادنا كما توقّعْت

-        أرغب ، أرغب

-       بماذا ترغب ؟!            و ابتسمت

-       بصراحة أرغب بأن نتعرّف ببعضنا ، هل لي ذلك ؟

-   بكل تأكيد و لكن لا أستطيع أن أقف طويلاً هنا ، سأعطيك رقم الهاتف و لا تتكلّم إلاّ إذا سمعت صوتي ، و كلمة السر هي أن تسألني : هل جورج موجود ؟ فأقول نعم يتكلّم  اتفقنا 

-       و لكن ما اسمُكِ آنستي ؟

-       اسمي لارا

-       و أنت

-       حنا

-       أوكي حنا سأذهب هيا إلى اللقاء

 

و عُدْتُ إلى مكاني لأجد أحمد يجلس فيه

 

-       لماذا أخذت مكاني يا صديقي ؟

-       لأنّه لا يوجد متسّع من الوقت لهذه الشقاوة

-       ماشي يا سيدي أمْرَك

-       هل كلّمَتْكْ ؟

-       نعم و أعطتني رقم هاتفها

-       بهذه السرعة !!!!!!!!!

-       و لماذا التعجب ؟

-       أُقْسِمْ بأن وراء هذه الفتاة مصيبة ، بإمكانك أن تتكلّم معها من البيت ، و لكن أخبرن ماذا تريد أن تأكل ؟

-       طبق من اللحم المشوي

-       و أنا كذلك

و بعدما انتهينا من تناول العشاء خرجنا لنتجول في شوارع بروكلين الصاخبة ، فدخلنا شوارع كثيرة لا أذكر أسمائها ، و لكنني لا زلت أذكر بوضوح تلك الأضواء الملوّنة المنبعثة من المباني العالية ، فقد كانت تُغازل الليل لِتَطْرُدَ أشباح ضحايا تلك المدينة المجنونة و الذين كنت أخال أطيافهم تتطاير في أرجاء المكان الذي من قواعد مبانيه تفوح رائحة الدماء المسفوكة ، فذلك طيفٌ لطفلٍ مات و هو يتضور جوعاً ، و هناك في تلك الساحة لَمَحْتُ طيفاً أخاله لأحد الهنود الحمر فقد كان يحمل على كتفه منجلاً  فربّما قد أتى لزيارة المكان الذي كان في حقله ، فهنا كان يزرع أرضه و يعيش مع أفراد قبيلته بسلام إلى أن جاء الغزاة من وراء البحار ، فسرقوا أرضه و قتلوه و بقي طيفه يحوم في نفس مكان مسرح الجريمة . ربّما يأتي يوم تتحول فيه هذه الأشباح إلى رياحاً عاتية  أو ربّما إلى أعاصير مدّمرة أو ربّما تخترق الأرض لتزلزل الصخور بأمر الله ، فتدمّر هذه القارة منتقمةً من الغزاة فقد يكون ذلك عقاباً من السّماء ، فالجريمة لا تسقط بالتقادم فكيف لها أنْ تسقط إنْ كانت الجريمة بهذه الفظاعة ، فعدالة الله ستنتصر في النهاية و سيجعل الأرض تبتلعهم لما يقترفون من  فواحش و آثام و التي بسببها أنزل الله سَخَطَهُ و عِقابه على أمم سابقة ، فالشيء الذي لا شك فيه أنّ العقاب قادم لا محالة ، و إنْ تأخّر فهذا يعني أنّ العقاب سيكون أشدّ و أعتى ، فيتعيَّنَ علينا مغادرة ذلك المكان بسرعة ، أيعقل أن نستبدل الأرض المباركة بالأرض الآثم أهلها ؟!!!!!!!!!!!

و في طريق العودة إلى البيت سألت أحمد سؤالاً لطالما حيّرني :

-       أريد منك يا أحمد أن تَصْدقني الإجابة ؟

-       تفضل حنا اسأل …

-   الكثير من الشباب العربي يحسدونك على وجودك في أمريكا و لا أدري لماذا لم تعمل لأجل الحصول على الجنسية الأمريكية ؟

-   لم أفكّر قط بالحصول عليها أو حتى الإقامة في هذه الكذبة ، فأنا هنا في منحةٍ دراسية و قد شارفت على الانتهاء و أتنمى أن ينتهي هذا الأسبوع بسرعة لأعود إلى رام الله ، فأنا لست بالأحمق الذي يحرم نفسه و ذريته من الإقامة في الأرض المباركة و هل أحرم نفسي و أولادي من المشاركة في المعركة الأزلية و المستمرة بين الخير و الشر ، هل تريدهم أن يلعنوني ؟!

-       لا أريد ذلك يا أحمد …

كَثُرَ عدد الثملين الذين يخرجون من الحانات ، و كي لا نَعْلَقَ في مشكلة مع أحدهم عُدنا إلى البيت لننام ، ففي الغد سأتكلّم مع لارا لعلّني أختم هذه الرحلة بقصة غرامية ، و كالمعتاد نهضنا من النوم و قمنا بتحضير طعام الإفطار و قهوة الصباح و جلسنا نشاهد الأخبار العالمية ، و إذا بنا نشاهد الملك الراحل يجلس على ظهر سيّارة بيضاء و يلوِّحُ بيده للناس المصطفين تحت المطر لاستقباله على جانبي الطريق ، شعور غريب راودني بأنّها تحية الوداع الأخير ، فنحن نعيش على الأرض عشرات السنين و في نهاية المطاف نُغادِرُها أجْساداً هامدة ، ليَضَعُنا مَنْ بَقِيَ فوق التراب تحت التراب ، إنّه درس يتكرّر يومياً منذ أنْ خلق الله الحياة .

اتّصَلتُ بلارا في فترة ما بعد الظهر ، ليسري صوتها في جسدي و كأنّه تيار كهربائي يُشْعِلً ما تأجّجَ في النفس من رغبات مكبوتة ، صوت ناعم أبحر في أذني ليرسوا على شواطئ الذّاكرة في بحر مجنون تحرِّكُ الشهوةُ و الرغبةُ تيّاراته المائية القوّية التي تُغْرِقُكَ و تجذبك إلى القاع حيث الشعاب المرجانية الجذّابة و السّامة في نفس الوقت .

-       هالوا

-       هل جورج موجود ؟

-       يتكلّم

-       كيف حالُكِ لارا ، و هل تذكرينني ؟

-       و كيف أنْساك يا حنا ؟

-       هل تعْلمِينَ أنّ صورتك لا زالت عالقةٌ في الذاكرة و كأنّ الأنوثة اختُصِرَتْ في محيّاكي

-       شكراً على المجاملة  فجأة اضطرب صوتها 

-       حنا


المزيد


على ضفاف نهر الدموع / الجزء الثاني: القلوب الكسيرة / ف2: نيويورك الصاخبة

أيلول 12th, 2006 كتبها باسم محمد فارس نشر في , على ضفاف نهر الدموع / رواية

-الفصل الثاني

 استمع إلى سميح شقير عبر الرابط التالي:

نهضت متأخِّراً في صباح اليوم التالي و لم أجد أحداً في الشّقة التي قمت مباشرةً بتنظيفها فقد كانت مليئة بالأوساخ ، و بعدما انتهيت من التنظيف و الترتيب كنت بحاجة إلى شرب كوباً من القهوة التي وضعتها أمي في حقيبتي ، فقمت بتحضيرها فانبعثت رائحة القهوة في أرجاء البيت و إذا بإلياس يدخل البيت ليستنشق رائحةً غابت عنه منذ زمن بعيد .

 

-       يا سلام إنّها رائحة القهوة الشرقية

-       نعم هيا اجلس كي نتشارك فيها

طلبت من إلياس أثناء تلك الجلسة مساعدتي في البحث عن عمل و وعدني خيراً ، و بالطبع لم ينسى تذكيري بأنّ عليّ احترام صديقته البائسة و التي و هو يتكّلم عنها راودني شعور بأنني أتكلّم مع إنسان آخر غريب سيكون التعامل معه صعباً . و في اليوم أرسلني إلى صديق له ليبحث لي عن عمل و بالفعل فقد وجد لي عملاً في محطةٍ للوقود في بروكلين .

بدأتُ العمل في تلك المحطّة لأواجه عالماً آخر المادّة و المصلحة فيه فوق كل اعتبار ، فقد كنت أعمل ليل نهار مقابل أربعة دولارات لكل ساعة عمل ، و قد ازداد وضعي المالي سوءاً عندما طلب مني إلياس دفع نصف إيجار الشقّة و بدأت أتعرّف على إنسانٍ آخر غير ذلك الشخص الذي أخبروني عنه في عمّان ، و بعد فترة وجيزة اكتشفت أنّ صديقته تتعاطى المخدّرات ، فربّما كانت هذه القبيحة هي المسؤولة عن ما آل إليه من وضعيةٍ مزرية ، و للأسف فذويه لا يعرفون حقيقة حياته في أمريكا فهم يعتقدون بأنّه قد أكْمل دراسته الجامعية و ليس هذا فحسب بل أيضاً أنّه صاحب مشاريع اقتصادية ، فقد كانوا يريدون أن يزوّجوه بأختي و لكن أشكر الله الذي أنقذها منه في اللحظة الأخيرة ، فأين هم الآن كي يشاهدوه و هو يعاقر الخمور .

اختلفت معه بعد مرور أربعة شهور من إقامتي في بيته ، فبما أنّني أدفع معه نصف الإيجار فمن حقي أن أتدّخل لمنع جلسات لعب القمار ، فقد تحوّل البيت إلى كازينو فقد مات إلياس بعد أنْ ابتلعه ذلك البحر المجنون ، فلا أدري فربّما بشّرته الليدي ليبيرتي بتحرير الرغبة الغرائزية من كل القيود ، فلا يوجد هناك متّسع من الوقت فلا بدّ من قضاء الشهوات و استغلال كل دقيقة في تحقيق رغبة شاذّة أو أكثر ، فلم يكن أمامي إلاّ أن أواجهه .

-       إلياس لا أريد سهرات في البيت

-       و ماذا تريد ؟!

-       أريد أن يكون بيتي نظيفاً و هادئاً كي أتمكّن من النوم فيه

-       و إنْ لم أستطيع تنفيذ ما تريد يا أستاذ حنا فما بوسعك أن تفعل ؟

-       لا ستفعل ما أريد لأنّك لن تُغضِبَني منك

و صلته رسالتي و ما أنْ فهمها،  إلاّ و قد تبدّلت ملامح وجهه و أصبح الزبد يخرج من فمه من شدّة غضبه ،  و لم ينبس ببنت شفه ، فقد انْسَحبَ من النقاش و ما لبث أن عاد و بيده مسدّس ،  أشهره في وجهي و شتمني باللغة الإنجليزية بعبارات نابية و طلب مني مغادرة  البيت على الفور و إلاّ أطلق النار ، فأشفقت عليه من نفسه و شكرته على هذه الهدية في ليلة عيد الميلاد ، فجَمَعْتُ أغراضي و غادرت ذلك البيت اللعين و بدون حتى أنْ ألتفت ورائي ؛ لأجد نفسي هائماً في شوارع بروكلين المزدحمة .

بَدَتْ لي نيويورك تلك الليلة و كأنّها إحدى لوحات الفن التشكيلي الغير مفهومة ، يسيطر عليها اللونان الأبيض و الأسود اللذان يتوزّعان على اللوحة ذات الخلفية الحمراء ، فهي ترمز إلى تعايش الأعراق المختلفة مع بعضها البعض بهدف العمل و كسب لقمة العيش . و بينما كنت أسير في أحد الشوارع رأيت مجموعة من الناس تتجمهر أمام واجهة أحد المحلاّت ،  و كما هي العادة دائماً فقد كانت عملية سطو مسلّح قامت بها مجموعة من الجائعين أو المغامرين و التي بعدها دوّت صافرات سيّارات الشرطة و الإسعاف و لم يتفرّق الناس إلاّ بعد أن هطل المطر بغزارة ليغسل خطايا هذه المدينة المجنونة .

بدأت أشعر بالبرد و التعب الشديد الذي أرهقني فأين سأذهب ؟ لا أدري ، و أخيراً قررت أن أتّجه إلى مانهاتن لأقضي ليلة في أحد فنادقها الفخمة و لم أهتم بالتكلفة بالرغم من أنّني لم أكن أملك إلاّ مبلغاً بسيطاً لا يتعدى الخمسمائة دولار و كما يقولون فالغريق لا يخشى من البلل ، و على الفور أوقفت سيّارة تاكسي أو يالو كابس كمّا يسمّونها .

سائق اليالو كابس كان رجلاً مرحاً لا يتوقف عن الضحك و الكلام ، فأخذ يتحدث عن عيد الميلاد و عن مغامراته الكثيرة في نيويورك و بالتحديد في مانهاتن و نصحني بأنني إذا كنت أرغب بقضاء إجازة عيد الميلاد فلا بدّ أن أنزِل في فندق بيكون و الذي فيه سأرى نيويورك بعينٍ أخرى فهو قريب من السنترال بارك و من المتاحف و كذلك من نهر هيدسون و لم يتوقف عن الكلام إلاّ لحظة وصولنا إلى الفندق .

بالكاد كنت قادراً على المشي من شدّة الإرهاق و التعب ، فالشهور التي مرّت لم تكن سهلة ، دخلت إلى قاعة الاستقبال كي أحجز غرفة لليلة واحدة فقط ، و بالفعل كانت موظّفة الاستقبال لطيفة جداً فأعطتني غرفة لليلتين مقابل مائتي دولار . شعرتُ بالارتياح لحظة دخولي إلى تلك الغرفة النظيفة ، و بعد الحمّام السّاخن استلقيت على السرير لأغرق في نوم عميق .

نهضت في ساعةٍ متأخِّرة من بعد ظهر يوم عيد الميلاد و بعد أن تناولت طعام الإفطار جَلَسْتُ مع نفسي لأفكّر و سألت نفسي ، و ماذا بعد يا حنا ؟ هل فشلت المهمة بسبب حظي الذي تعثَّر بانحرافات إلياس ، أمْ أنّه لا زال هناك متّسَعْ من الوقت كي أعطي نفسي فرصةً أخرى ، و بعد تفكير طويل قرّرت الصمود في نيويورك و تكرار المحاولة ، و لكن كيف أتصرّف فغداً سأغادر الفندق و لا مأوى لي ، و لحسن الحظ تذكَّرتُ أحمد الكرمي الذي التقيت به قبل شهر في محطة الوقود ، بحثت عن رقم هاتفه بين أوراقي و لحسن الحظ لم أضعه فاتّصلت به :

-       هالوا

-       أحمد الكرمي ؟

-       نعم ، يتكلّم

-       أنا حنا نجيب ، هل تذكرني ؟

-       بالطبع أذكُرُك ، كيف حالك يا حنا ؟

-       بخبر

-       هل لا زلت تعمل في محطة الوقود ؟

-       نعم ، و لكنّني الآن أقضي إجازة عيد الميلاد

-       كل عالم و أنت بخير عزيزي

-       و أنت بألف خير

-       هل من خدمة أُقدِّمُها لك يا حنا ؟

-       نعم يا أحمد فأنا أبحث عن سكن

-       و من أين تتكلّم الآن ؟

-       من فندق بيكون في مانهاتن ، هل تعرفه ؟

-       نعم سأكون عندك بعد الإفطار أي بعد ساعة ونصف من الآن

-       صياماً مقبولاً عزيزي ، سأنتظرك في مقهى الفندق

-       إن شاء الله

لم يتأخّر أحم

المزيد


على ضفاف نهر الدموع / الجزء الثاني : القلوب الكسيرة

أيلول 11th, 2006 كتبها باسم محمد فارس نشر في , على ضفاف نهر الدموع / رواية

- الفصل الأول -

 

دقّ صابر الباب و إذا بالخالة أم حنا تفتح الباب و ما أنْ رأت صابر و كريم إلاّ و ارتسمت على شقتيها الابتسامة و الفرح فقد مرّت شهور كثيرة و لم ترى فيها أصدقاء ابنها النورس العائد من بلاد الأحلام .

 

-       من صابر و كريم ، أهلاً و سهلاً هيا ادخلا بسرعة فالبرد قارص

 

دخلا المجلس و كان الجو بارداً و رطباً ، أحضرت الخالة أم حنا المدفأة و جلست مع أصدقاء ولدها ؛ لتطمئن عليهم و لتسأل عن أحوالهم و لم تخفي قلقها على ولدها و طلبت من كريم و صابر أن يساعدا صديقهما حنا فقد أخبرتهم بأنّه لم يعد ذلك الشاب المفعم بالأمل و الحياة ، و إلى أن يحضر ابنها ليلتقي بأصدقائه قدّمت لهما الشاي الساخن .

 

يال هذه الدنيا الكل يجري فيها فالفقير غير مرتاح و الغني يتخبط يريد ابتلاع كل شيء ، فهما لا يزالان يذكران صديقهما حنا يوم نجح بالحصول على تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، فكأنّه ملك الدنيا أو ربّما أكثر ، لسان حاله كان يقول سأعمل ليل نهار لأعود كريماً كلماته حُفِرَت في الذاكرة و كأنّها صدى أجراس الكنائس ليلة العيد .

 

لم ينتظران طويلاً في المجلس و إذا حنا يدخل ، ذُهل صابر و كريم عندما شاهدا حنا فقد كان وجهه شاحباً يميل إلى الاصفرار فالإرهاق و التعب يتملّكانه ، أفسح كريم و صابر المكان لحنا كي يجلس بينهما حول المدفأة ، في سهرة شتوية ، تذكّروا فيها مقاهي عمّان و دور السينما التي كانوا يرتادونها و كذلك مغامراتهم مع السيّاح الأجانب في المدرّج الروماني ، فالصداقة بينهم قديمة فقد بدأت منذ أنْ كانوا أطفالاً ، الزّمنُ رسّخَها فغدت قلعة شامخة ذات أسوار متينة يصعب اختراقها ،  فقد عاشوا في عمّان فأحبوا جبالها و ضواحيها ، و أثناء السّهرة شاهدا بتمعن شديد ألبوم صور حنا التي التقطها خلال وجوده في مدينة نيويورك ، فتارةً يراودهم شعور بأنّ حنا قد أُصيب بلوثة عندما فكّر بالعودة عند رؤيتهم لمباني مانهاتن الرائعة و شوارع نيويورك و تمثال الحرية الذي يستقبل القادمين إلى بلاد الأحلام مبشِّراً لهم بنظام يحترم الإنسان ، و يشفقون عليه تارةً أخرى عندما شاهدوا صور الشقة البائسة التي كان يقطنها هناك فيحمدون الله ألف مرّة أنّ صديقهم بينهم الآن لا يزال على قيد الحياة ، شوّقت الصور صابر و كريم لمعرفة تفاصيل الرحلة و فور انتهائهم من مشاهدة الصور سأل صابر صديقه حنا :

 

-       ما الذي جرى لك هناك ؟‍‍‍!

-       لولا عناية السماء يا صابر لكنت الآن في عداد الأموات

-       يا سلام ‍‍!!!

 

كان حنا بنفث الدّخان من فمه بطريقة تعبِّرُ عن الأسى ، فلو أنّه نفث الدّخان في آلة موسيقية لأخرجت ألحاناً جنائزية بعد أنْ نعى طموحه و أحلامه ، فهو الآن من اليأس و القنوت بعد أن كان شاباً مندفعاً و عاشقاً مخلصاً للغرب الذي حاكاه في كثير من الأمور ، حتى أنّ شكله يوحي بأنّه من عالم الشّمال فله شعر أشقر و عينان زرقاوان و قامة طويلة فقد عاد حنا بحالة نفسية يُرْثى لها ، أما التدخين فقد أصبح بشراهة مخيفة فيبدو أنّه عاد رماداً تناثر حول المدفأة في غرفة الجلوس.

 

طلب كريم و صابر من حنا أنْ يروي لهما حكايته في نيويورك ، فأشْعَلَ سيجارة أخرى و فتح النافذة المطلة على إحدى التلال القريبة ، كانت حينئذ الشمس تغيب و الشفق الأحمر كان يعطي لجبال السُحُبِ المتجهة شرقاً لوناً نحاسياً مائلاً قليلاً للاحمرار ، فتح النافذة ليَدْخُل منها تيارٌ هوائي بارد و سأل صديقاه :

 

-       انظرا إلى السماء و قولا لي ماذا يعني لكما الغروب ؟

 

أجابه كريم الذي تعجّب من هذا السؤال ذا الطبيعة التأملية :

 

-       الغروب يعني الإصرار على استمرارية الحياة فالشمس تغيب في مكان و تُشرِقَ في مكانٍ آخر .

 

أمّا صابر فقد اقترب من حنا قرب النافذة و تمعّن قليلاً في منظر الغروب المتكرّر يومياً منذ أنْ خلق الله الأرض فأجاب حنا قائلاً :

 

-   الغروب يا صديقي يعني أنّ لكلّ بداية نهاية ، يومٌ ذهب إلى غير رجعة و يومٌ آخر سيولد آتياً بأمْرٍ جديد و نحن مع كل شروق و غروب نقترب أكثر من عالم الغيب و الشّهادة .

 

أمّا حنا فقد كان له رأيٌ آخر مَبْعَثُه خيبة أمله الشديدة في عاصمة الحضارة :

 

-   تأمّلت تلك الغيوم المحمرّة وقت الغروب في سماء نيويورك و إذا بي أتخيّلُ أنّ هذا الاحمرار ينعكس من الدّماء التي تسيلُ يومياً في عالمٍ لا يكلّ من الكذب و لا يتعب من النفاق ، ربّما أنّ ذلك اللون الأحمر هو لون دم الأبرياء و الذين من جماجمهم المطحونة صنعوا إسمنت مدنهم ، فالأرض لا ترغب بابتلاع دمائهم المسفوكة ظُلْماً ، فاشتدّ البرد و هطلت الأمطار بغزارة شديدة إنّها لا تريد أن تتوقف و تنتظر أمر الله لتغرق تلك المدينة المزدحمة بأشباح الضحايا .

 

أحضرت الخالة أم حنا القهوة السّاخنة و الحلوى اللذيذة التي تصنعها بيديها السّاحرتين ، و لم تنسى إعلامهم بأنّهما مدعوان على العشاء و طلبت منهم أن يتصلوا بأهلهما كي يكونوا على علم بمكان وجودهما ففعلوا . و لكنّ ملامح التعجب من مداخلة حنا العنيفة بدت واضحة على صابر و كريم وازداد شوقهما للاستماع إلى حكاية حنا النيويوركية و التي بدأ يسردها مع الرشفة الأولى من القهوة .

 

بدأت رحلتي إلى نيويورك في ذلك اليوم الخريفيّ يوم اتّجهتُ في ساعةٍ مبكِّرةٍ جداً إلى منطقة عبدون حيث السّفارة الأمريكية ، أذكر يومها أنني وقَفْتُ في طابور طويل ، فالمئات من الشباب الصابرين على ما أصابهم من بؤس و ضر في بلادهم يقفون طوابير طويلة للهروب من هذا الجزء المريع من العالم ، و أثناء الانتظار كنّا نرقب الخارجين من المبنى القنصلي و الذين كان يبدو الحزن و الأسى على ملامح معظمهم

المزيد


على ضفاف نهر الدموع / الجزء الأول : الحب و الرغبة / ف 6

أيلول 10th, 2006 كتبها باسم محمد فارس نشر في , على ضفاف نهر الدموع / رواية

- الفصل السادس

 

اليوم الأول من رمضان كان شاقاً ، و لحسن الحظ كان النهار قصيراً بسبب كونه قد جاء في فصل الشتاء ، و كأي مدينة عربية يحترم أهل المنامة شهر رمضان فالمراقص و الحانات و دور اللهو التي تُقْتَرَفُ فيها الكبائر في الأيام العادية تغلق في الشهر الكريم . و مع اقتراب الغروب بدأت حركة السيّارات و النّاس تهدأ ، فالكلّ بانتظار موعد الإفطار و أنا كذلك فقد حضّرت وجبة خفيفة مكوّنة من التمر و الحليب و ثلاثة قطع من الدجاج المقلي بالإضافة إلى القهوة ، لا أدري لماذا شعرت بأن اللحظات التي تسبق رفع الأذان صعبة و كأنّ الزمن يتوقف ، لم أكن جائعاً بقدر اشتياقي لارتشاف القهوة المعطّرة برائحة الهال ، و عندما رُفِعَ الأذان شعرت بغبطة الصائم لحظة إفطاره ، أكلت بعض الرطب و شربت القليل من الحليب و بعدها قُمْتُ بتأدية صلاة المغرب ، إنّها بالفعل أجواءٌ روحانية كنت قد افتقدتها منذ أنْ عَرَفْتُ ندى و التي أخذت صورتها تبتعد عن مخيِّلتي و قبلاتها المجنونة أبْحَرَتْ مُبْتَعِدَةً في عالم النسيان فلعلّها تغرق أو لعلّها ترسوا في ميناء آخر بعيداً عني .

 

تنزّهتُ برفقة حسين باقر بعد صلاة العشاء و تجوّلنا في المدينة الممتلئة بالخيام الرمضانية التي تتحول قبل السحور إلى مراقص ليلية مسيئة للشهر العظيم ، لم يرغب حسين اصطحابي إلى تلك الزرائب أو المراقص الليلية ، فأمضينا السهرة على كورنيش المنامة نستمتع يصمت بصوت الأمواج التي لم تتوقف عن الترتيل منذ بدء الخليقة ، فأمواجه تتكسّر ضاربةً الصخور في صراع مرير بين البحر و البر ، فسبحانه تعالى الذي جعل الصراع بين الأضداد سنته في خلقه ، فلا بدّ من الصّراع ليَحْدُثَ التطور ، فالخير و الشر و الشمال و الجنوب و الشرق و الغرب كلّها أضدادٌ تتصارع عسكرياً و ثقافياً ، أمّا أنا فكم كنْتُ أتمزّق لحظة تحولت إلى ساحة صراع بين قيمي الموروثة و تلك الطارئة أو إلى ساحة لمعركة تحديد الهوية الثقافية فهل بإمكاني قبول نموذج ندى المُتَمَثِّلْ في الحب على طاولات المقاهي و الصالونات الفخمة ، فهل نُعِيَتْ ذكرى الخنساء و تمّ الإعلان عن وفاتها للأبد ، أمْ أنّها لا زالت حيّة في الذاكرة و ذلك الصوت الذي كان يؤنبني هو صوتها الخالد ، نعم فالخنساء لا زالت حيّةٌ في نفوسنا و ستبقى كذلك إلى الأبد فالشرق شرقٌ و الغرب غربٌ  و لا تلاقيا .

 

بدأ موج البحر يعلوا معلناً غضبه و رفضه و كأنّه يقول أنا الخنساء يا صابر جدّتك أم الشهداء ابتعد يا بنيّ عن الرذائل و توحّد مع ذاتك لترفض الهزيمة هيا انهض و قاوم ، فنهضت من على الكرسي و اتّجهت إلى آخر نقطة تصل إليها مياه الأمواج المتكسّرة على الشاطئ و وقفت هناك و خاطبت الخنساء و قلت لها : نعم يا جدّتي أعِدُكِ بأنني سأرفع الراية و أقاوم فأمّةٌ أنت منها لن يتمكّن الوثنيون الجدد من هزيمتها و فرض قيمهم الغريبة التي لا أرجل لها و لا أذرع و سننتصر لا محالة طال الزمن أو قَصُرْ .

 

ناداني حسين الذي رآني و أنا أتكلم مع نفسي و سألني :

-       ما بك يا صابر ؟

-       لا شيء يا حسين و لكنني حَسَمْتُ أمراً كان يؤرقني

-       ما هو ذلك الشيء الذي جعلك تبدو مضطرباً ، هل هو الحب ؟!!

-       لا أدري ، ربّما

-       هيا أخبرني ما الذي حصل معك و أنا مسافر ؟

-       سأروي لك حكايتي ، فأنت بمثابة أخ لي

 

بدا عليه التأثُّر بينما كان يستمع لي ، و عندما انتهيت من سرد حكايتي أيّد النهاية التي وصلت إليها الحكاية فهي بالتأكيد حتمية ، و على مائدة السحور أخذ حسين يحدّد معالم هوِّيتنا الثقافية رافضاً المفا

المزيد


على ضفاف نهر الدموع / رواية / الجزء الأول: الحب و الرغبة / ف5

أيلول 8th, 2006 كتبها باسم محمد فارس نشر في , على ضفاف نهر الدموع / رواية

- الفصل الخامس -

 

كنت على وشك مغادرة مكتبي في ذلك اليوم ، و لكنّ التي دخَلَتْ داهمت أعماقي و هزّت كل المشاعر المدفونة بداخلي ، فالأشعة المنبعثة من عينيها و حرارة جسدها الذي تعرّى في خيالي أذاب الكتل الجليدية الصّلبة التي كانت تتكتّل فوق قلبي و مشاعري ، الجليد الذائب تحوّل إلى طوفان هائج حطّم السدود و الحواجز و حملني نحو الأودية التي أصبحت سيولاً جارفة تبشِّر الأرض العطشى بربيع أخضر و لكن ماذا فعلت هذه السيول ؟

 

فَتَحَتْ الباب من دون حتى أنْ تقرعَهُ ،  ارتبكتْ و تلعثَمتْ  عندما تعانقت نظراتنا ، لحظاتٌ جلّلها الصمت المطبق و لكنّها ابتلعت هذا الموقف بضحكةٍ ناعمة و حادّة و بدأت الكلام :

 

-       لماذا كل هذا الغضب سيدي ؟!!

-       و لماذا الغضب آنستي ؟ هيا تعالي

 

أقْبَلَتْ نحوي بخطوات واثقة و مع كل خطوة بدأت تتعرى في مخيِّلتي شيئاً فشيئاً ، و ما أنْ وقَفَتْ أمامي إلاّ و كان بإمكاني وصفُ تضاريس جسدها و نتوءاته كما لو أنّها كانت عارية فعلاً و تهت في تلك التضاريس ، لم أكن أعلَمْ ما الذي دهاني تلك اللحظة فهل هو الحبّ الذي أبحثُ عنه و قد ظهر الآن صدفةً أمامي و قد وقعت فيه من النظرة الأولى ، و هل هذه التي تعرّت أمامي تكون تلك الخنساء التي عبثاً حاولت البحث عنها في الكهوف المرصودة تارةً و في أزقة المدن المزدحمة تارةً أخرى ، فالخنساء تستحق بالفعل كل ذلك العناء كيف و هي من طرّزت بيديها أكفان أبناءها الأربعة و الذين استشهدوا في قادسية الفتح .

 

جلست أمامي و تحدّثت عن البضائع التي تريد متابعة شرائها من الشركة ، فقد كانت تعمل كسكرتيرة تنفيذية لأحد الشركات التسويقية ، كان بإمكاني إنهاء الموضوع مباشرة و لكن رغبتي في رؤيتها مرّةً أخرى حالت دون حسم الموضوع .

 

-       عذراً آنستي و لكن كما تعلمين فقد انتهى العمل اليوم و بإمكانك أنْ تأتي غداً لمتابعة هذه المسألة

-       أوكي أستاذ ؟؟

-       صابر ، و أنت ما اسمك ؟

-       ندى

-       تشرّفنا        و صافحتها

 

و غادرتْ المكتب بعد أن تمكنّت من إخراجي من حالة الفراغ التي أرْهقَتني إلى حالةٍ أخرى ، حالة جديدة لم أعرف مثلها من قبل فقد اختلطت مشاعر كثيرة مع بعضها ، و عندما خرجت من الشركة وجدتُ الدنيا أزهى و أجْمل ، أضواء المدينة و طيور الحمام التي صادَقُتها و الناس عناصر جديدة دخلَتْ لترسم لوحةً جميلة ، فكم من طاغية تحوّل إلى داعيةً للسّلام بعد أن شعر بالحب ، و في مقهى اليتيم لم أعُد أراقب النّاس ، فقط أدخّن و أشرب القهوة ، و الغريب في الأمر هو أنّني لم أستطع استحضارها في خيالي ، فقد كان جسدها الذي تعرّى في خيالي يبتعد شيئاً فشيئاً حتى تلاشى ، و لم يبقى إلاّ تلك الحالة الرومانسية التي فجّرت طاقاتي المدفونة .

 

و في اليوم التالي أتتني قبل نهاية الدّوام بساعة فقط ، و عندما رأيتها تعانقت نظراتنا بشكلٍ أعنف و أعمق من المرّة السابقة ، و سادَ الصّمت و تبادلنا النظرات الجريئة ، شعرتُ بجوع من نوع آخر و برغبةٍ جامحة في عناقها ، و من دون وعي بدأت الحديث معها بسؤال :

 

-       آنستي ، هناك نبتةٌ لا أعرفها نبتَتْ في حديقة بيتي و لا أدري ما هي ، فهل أقتلعها أم ماذا؟

-       لا يا صابر ، لا تقتلعها بل عليك أنْ ترويها

 

نهضت من على مكتبي و جلست بالقرب منها لأراها عن قُرْبْ ، فقد كانت ترتدي بنطلوناً أسوداً ضيِّقاً ، و كذلك قميصاً أسود يظهر منه انثناءات نهديها ، و كانت تغطي شعرها بمنديلٍ أبيض و قد عرفت أنّه أسود سميك بعد أن هربت منه خصلةٌ من تحت الشال كي تجعلني أراها ، و عيناها الدّامعتان ترويان حكاية شوق لجسدٍ متناسق أتمنّى الذوبان و التلاشي فيه .

 

أعطيتها الإذن الخاص باستلام البضاعة ، ولكنّها لم تقرأه و وضعته في حقيبتها الصغيرة ، و كأنّها كانت تنتظر مني شيئاً آخر ، و أمّا أنا فكم كنت أرغب في مسك يديها برفق و تنهدنا سوياً و كأنّ أرواحنا التقت و لم يبقى غير لقاء الأجساد و ما كان باستطاعتي كبح هذه الرغبة سألتها :

 

-       هل أنت بحرينية يا ندى ؟

-       لا أنا من عمّان ؟

-       و أنا كذلك

-       و ما الذي أتى بك إلى هنا ؟‍!

-       ألا يستحق لقائي معك آنستي أن أقطع البحار و الصحاري و آتي زاحفاً ؟!

 

رمَقتني بنظرة غريبة و أخرجت رأس لسانها من فمها ، لم أستطع تلك اللحظة ترجمة تلك الحركة ، و تعانقت النظرات المجنونة و الأجساد العطشى على سرير الخيال ، و أمسكت يدها التي كانت باردة و فركتها برفق :

 

-       ندي ، يدك باردة !!

 

تنهدّت و أرْخَتْ يدها في يدي ، فتسارع الشوق و الحنين إلى اللقاء ، كان حبّها كالكرة الثلجية ما تلبث أنْ تكون صغيرة حتى تكبر عندما تبدأ بتدحرج باتّجاه الأودية السّحيقة و عندما دعوتها إلى اللقاء في مكان عام تنهدت و استنشقت الهواء بعمق حتى ظننتها ستعتذر و تتمنع و لكنّها وافقت على الفور ، تدحرجت نحوي كالكرة الملتهبة فأذابت الحواجز الثلجية التي كنت أعتقد أنّها إسمنتية ، فانهارت الحواجز الواهية التي منعتني لفترة طويلة من الانزلاق في براثن العلاقات الغرامية .

 

أعطتني انطباعاً بأنني الشاب الأول الذي تخرج معه في ذلك اليوم الذي التقينا فيه في مقهى المدينة الذي يجتمع فيه الفتيان و الفتيات ليختلس كل واحد منهم لمسة دافئة من الحبيب أو الحبيبة أو ربّما قبلة خفيفة ، اخترت موقعاً في الصفوف الأخيرة كي أشعر بأننا لوحدنا نستمتع في همساتنا و لمساتنا ، فقد كانت طاولتنا الصغيرة بنية اللون كما أنّ ديكورات المقهى كانت تعطي للمكان إضاءة متوسطة و تكتمل الأجواء بالموسيقى الهادئة الغير مصحوبة بالغناء و التي تجعل همسات العشاق تتراقص على أنغامها ، في سمفونية التحرر من القيم و الأخلاق الشرقية و للأسف كنت أنا المايسترو في ذلك اليوم ، فكم كنتُ أمْقُتُ الفتيان والفتيات الذين يضيعون أوقاتهم في التسكع في المقاهي و الحدائق العامّة فها أنا قد غدوت مثلهم لا بل أكثر منهم ، و بالفعل انطبق عليّ المثل الشعبي :" هجين و قع بسلة تين " .

 

لم يعد باستطاعة النظرات الجريئة إطفاء ظمأ الشوق في المقهى ، بل تعدّت إلى اللمسات و اقتراب الأجساد من بعضها ، فقد كانت يداها باردتان و عيناها تائهتان و أصابعنا متشابكة و كأنّنا نريد الذوبان لنكون جسداً واحداً ، وهمست في أذنها :

 Go

-       كم أرغب بعناقك و لكنني أخاف عليك إنْ فَعَلت

-       أمّا أنا لو عانقتُك فستنكسر ضلوعك بين ذراعي

 

و اشتعل اللقاء بمثل تلك الكلمات الجريئة و التي كانت تخرج من أفواهنا كالحمم البركانية الخارجة من أعْماق الأرض بعد كبتٍ طويل . و غابت شمس ذلك اليوم و نحن في المقهى الذي لم يعد قادراً على احتواء حبّنا ، فخرجنا من المقهى متعانقان يدي اليمنى تلتف على خاصرتها ، حتى أنني لم أعد أكترث للعادات الشرقية عكس جنود البحرية المرغمين على احترام مشاعر السكّان المحليين ، و بالفعل فقد انفجر البركان و ما من أحدٍ باستطاعته أن يقف أمامه و يمنعه من قذف الحمم .

 

أوقفت لها سيّارة أجرة و ودّعتها بقبلتين خفيفتين على الوجنتين ، و عندما مشيت بمفردي سمعتُ صدى صوت و كأنّه صوتي يناديني من بعيد و يقول : أيّ طريق تسلكها يا صابر ؟!! ، أنسيت لون شعرك الفحمي ؟!! ، اتق الله في نفسك يا رجل ، لا أدري إنْ كنت قد اغتربت عن نفسي أم ماذا ، ألم أعد صابر ؟! ، وجدت نفسي أمام أسئلة كثيرة بعد لقائي الأول معها  و لكنّها كانت تجربةً ما كان باستطاعتي تفاديها ، و من بين هذه الأسئلة لماذا لم ترتبك إنْ كنتُ أنا الشاب الأول الذي تخرج معه ، فهي لم ترتبك بل كانت جريئة جداً ، عكس نظرتي بتلك الفتاة الشرقية المسكينة و الرقيقة و التي يقع على عاتقها حفظ شرف القبيلة، رغباتها تُكْبَتْ و إرادتها تُسْحَقْ فقدرها أن تكون في مواجهة الأعراف البالية لمجتمع سخيف مُتَأسْلِمْ بعيد كل البعد عن التعاليم الدينية يغضب و يرضى و ينسى بسرعة ، فإذا تمردت الفتاة الشرقية فسيكون تمردها مغامرة لا يمكن توقع نتائجها . أمّا ندى فلم يكن في ذهنها أنّها جزء من هذا الواقع فقد كانت صرخة مدّوية في وجه المجتمع بشكلٍ لم أستطع استيعابه ، فمواجهة الأعراف البالية لا يكون بالتمرد على الدّين و الثقافة بل بالعودة إليه لتعرية هذا المجتمع الغير ناضج . فماذا أريد منها ؟! و هي ما الذي تريده مني ، هل حقاً هي تحبِّني و أنا أُحُبّها ، و هل انْقلَبتُ على المجتمع بالرغم من اعتزازي بالثقافة الشرقية ، فأنا لا زلت أنا ذلك الشاب الحالم في غدٍ أفضل ، و الخيال واسعٌ وِسْعَ هذا الكون و لكنّ الواقع ضيِّقٌ كضيق ثقب الإبرة ، فهذا الجسد الذي تَسْكُنُهُ روحي يعيقُ حركتي فكيف لي أنْ أُطْلِقَهُ إلى عالمٍ آخر ، عالمٌ تلْتَحِمُ فيه الإرادة الصّلبة مع الواقع المرير في معركة ملحمية الانتصار فيها يعني تحقيق الإنجازات و المثل الإنسانية العليا و القضاء على مظاهر التخلف الاجتماعي التي حوّلت بدورها اللصوص و قطاع الطرق إلى فُرسانٍ لهذا المجتمع السّخيف ، معركةٌ يغني فيها كل شاب و شابّة تلك الكلمات العذبة لسميح القاسم :

منتصب القامة أمشي

مرفوع الهامة أمشي

في كفي قصفة زيتون

و على كتفي نعشي و أنا أمشي

في قلبي قمرٌ أخضر ، في قلبي بستان

فيه العنبر فيه الريحان

 

وصلتُ البيت مبتلاً بسبب رطوبة الجو التي كانت عالية جداً ، و على الفور أخذت دشاً بارداً ، و بعده جلست أمام شاشة التلفزيون لأبحث عن محطةٍ تلفزيونية تستحق المشاهدة ، و على معظم الشاشات كان أشباه الرجال و أشباه النساء يرقصون أمام الكاميرات مثيرين مشاعر القرف في نفوس المشاهدين الذين أدْمنوا الاستماع إليهم ، إنّها حقاً ترجمةٌ فورية لواقع الهزيمة التي نعيشها . و في آخر محاولة استوقفتني محطة كانت تبث أغنية للسيّدة أم كلثوم و التي يرقص على صوتها الخيال و الواقع :

 

يا فؤادي لا تسل أين الهوى           كان صرحاً من خيالٍ فهـوى

اسقني و اشرب على أطلاله           و اروي عني طالما الدّمع روى

 

أثناء غناء السيّدة لهذا المقطع تذكّرت ندى و التي هممت بالتكلّم معها و لكنّها سبقتني ، رنّ الهاتف :

 

-       هالوا

-       هالوا صابر هل وصلت البيت ؟

-       أظن أنني قد وصلت

-       ما رأيك في لقاء اليوم ؟

-       أدائك كان رائعاً

-       أنت لم ترى شيئاً بعد

-       الأيام سترينا

-       قل لي صابر هل تسكن لوحدك ؟

-       كنتُ وحيداً ، و لكنّك الآن معي

-       هوووو شكراً صابر

-       قولي لي ندى متى سنلتقي مرّةً أخرى ؟

-       غداً إذا أحببت

-       في نفس المكان ؟

-       لا في مكان آخر

-       إذن غداً سأتصل بك لأخبرك أين سيكون اللقاء

-       أوكي اتفقنا

-       تصبحين على خير

-       تلاقي الخير ، مع السّلامة

 

كان لقائنا الثاني في أحد الصالونات الفخمة ، حاولَتْ أن تبدوا جدّية بابتعادها عني ، و لكن عندما أدْرَكَتْ عدم اكتراثي بها اقتربت و التصقت بي فأصبحنا كتلة ألهبتها الرغبة و جعلتها تشتعل ، همست في أذني :

 Go

-       أنا خائفة يا صابر

-       ممّا خائفة يا حياة صابر ؟

-       من المجهول

 

و ازدادت التصاقاً بي ، لمست وجنتيها و اقتربت بوجهي نحوها أغمضت عيني و لم أشْعُرْ إلاّ برطوبة شفتيها ، لم يكن بودي تقبيلها فقد كانت المرّة الأولى التي تقبّلني فيها فتاة ، فالقبلة كانت خفيفة و لكنّها نسفت عذرية العلاقة . أدْمنت هذه القبلات التي تناغمت مع معزوفات البيانو ، فاشْتَعلَتْ الرّغبة و لم يعد الحياء يمنع جرأة هذه القبلات التي كانت تحت الشّمس و بين الناس ، شعرت نفسي عارياً و لكنني لم أتراجع و استمريت بالعوم في هذا المستنق

المزيد


على ضفاف نهر الدموع / الجزء الأول : الحب و الرغبة / ف4

أيلول 7th, 2006 كتبها باسم محمد فارس نشر في , على ضفاف نهر الدموع / رواية

- الفصل الرابع

 

نهضت من النوم على جرس الهاتف :

 

-       آلو

-       مساء الخير صابر

-       مساء الخير أنجيلا

-       ألا زلت نائماً

-       نعم ، كم الساعة الآن ؟

-       إنّها التاسعة مساء ، آسف على إزعاجك ، موعدنا غداً في تمام السابعة صباحاً في مقهى الفندق ، أوكي ؟

-       أوكي أنجيلا

-       طابت ليلتك

 

و عدتُ إلى النوم كانت من المرّات القليلة التي أنام فيها بعمق ، حتى أنني عندما نهضت فجراً ، لم أذكر أي حلم و لكن كأنني أذكر أن أحداً قد تكلّم معي و تذكّرت أن أنجيلا هي التي تكلّمت عندما رأيت الورقة الموجودة بالقرب من الهاتف ، و ما أن جهّزتُ نفسي إلاّ و أنا في مقهى الفندق حتى قبل موعد أنجيلا بساعة تقريباً ، شوقٌ كبير للبدء بالعمل من أجل تحقيق الذات ، فقد ضاعت سنة كاملة من عمري و أنا أبحث عن عمل ، إنّ القطار شارف على التحرك على سكّته و التي أتمنى أن تكون سكّة الفوز و السّلامة و عجلاته الحديدية ستسحق كل المعوّقات و سأحلِّق كالنسر عالياً فوق هامات الجبال ، ذلك الصباح كان مشرقاً بالفعل فالموسيقى الكلاسيكية تَجْعَلُكَ تنظر إلى المستقبل بنظرة مملوءةً بالتفاؤل و الأمل إلى ما تخبئه لك الأيام القادمة ، كان المقهى يقدِّم وجبة الإفطار على شكل بوفيه مفتوح فأخذت منه كوباً ساخناً من القهوة و الحليب مع قطعة صغيرة من الحلوى و اخترتُ طاولة قريبة من الباب كي أتمكن من رؤية أنجيلا لحظة وصولها . وصل خيالي إلى ذروة التفاعل عندما ارتشفت الرشفة الأولى من الفنجان فقد كان مذاق القهوة بالحليب رائعاً و شعرت بروعته عندما شاهدت رجلاً أبيض يجلس مع صديقته الزنجية ، فشيء رائع أن تختلط الألوان فباختلاطها تنتج ألوان أزهى و أجمل ، فالاختلاط هو عنوان الحكاية الآدمية في القرن الجديد ، فقد حطّم العقل البشري الحواجز الجغرافية فاقترب البعيد و عادت البشرية إلى مرحلة القبيلة الأولى التي انبثقت عنها الأجناس و الأعراق البشرية المتنوعة ، و لكن الشيء المفقود في هذه القبيلة الجديدة هو العدل .

 

و قبل أن انتهي من شرب القهوة بالحليب ، رأيت أنجيلا تدخل المقهى ، لوحت لي بيدها وذهبت إلى البوفيه كي تحضر سيئا تحتسيه ، و أتتني بابتسامةٍ أبْحرَتْ من شفتين ملاويتين  :

 

-       صباح الخير صابر

-       صباح الخير أنجيلا ، تفضلي

 

جلَسَتْ أمامي و وضعت فنجاناً من القهوة بالحليب على الطاولة أمامها و طلبت مني سيجارة فأعطيتها إياها مشتعلة ، فسحبت نفساً من السيجارة و قبل أن تنفث الدخان ارتشفت رشفة صغيرة من الفنجان لاحظتني و أنا أنظر إليها بتمعن فسألتني :

 

-       هل من شيء يا صابر ؟!

-   كلا و لكن قبل أن تأتي كنت أتأمل القهوة بالحليب و الصديقان اللذان يجلسان خلفكِ فتأمّلتُ اختلاط الألوان و الأعراق فقط

-       نعم ، هما كالقهوة بالحليب ، و لكن يا تُرى ماذا أكون فأنا لست بيضاء كالحليب و لا سمراء كالقهوة ؟!!

-       أنتِ كالسكر في فنجان القهوة بالحليب ليكون حلو المذاق

-       صابر أنت رائع فعلاً ، و لكن أخبرني كيف كانت نهاية الأسبوع ؟

-       أكثر من رائعة

-   جيّد ، فبالتأكيد أنت مستعد لليوم الأول ، فقد اتصّل بي السيّد حسين المدير التنفيذي كي يخبرني أنّه يرغب بمقابلتك في تمام السّاعة الثامنة

-       نعم بكل تأكيد فأنا أتشوق للبدء بالعمل

 

لا أدري من أين تأتي أنجيلا بكل هذه الحيوية ، فهناك تناغم عجيب بين الموسيقى الصباحية و حركاتها و حديثها ، فهي مفعمة بالحيوية ، فرجل هذا القرن عندما يرى المرأة و للوهلة الأولى يتخيّلُها عارية ، و لكنني لم أستطع تخيُّلُها بتلك الصورة ، ربّما كان ذلك لكونها امرأة عملية ، فهي لا تتمايل بجسدها مثيرةً الآخرين ، لم أشعر بالوقت معها فالسّاعة اقتربت من الثامنة و أنجيلا تتحدّث بحماسة عن الشركة ، و يبدو أنّ روحها الإيجابية ضاعفت من حماسي و شوقي للبدء بالعمل ، فبكل تأكيد إنّ الروح تنتقل من شخص إلى آخر سواء كانت إيجابية أو سلبية ، و لكنني قاطعتُها :

 

-       أنجيلا اقتربت الساعة من الثامنة

-       عذراً فقد أخذنا الوقت و الحديث معك ممتع حقاً ، هيا بنا فلنذهب

 

خرجنا من الفندق و كانت الحرارة لا تزال مقبولة و لكنّ الرطوبة مرتفعة جداً ، فالجو يجعلك تشعر بالخمول رغماً عنك ، فبخار الماء يتكاثف على الزجاج كرذاذ المطر ، فقد ابتلت ملابسي في أمتار معدودة مشيتها من بوابة الفندق إلى السيّارة . لم تأخذ الطريق إلى مبنى الشركة أكثر من عشرة دقائق.

 

شَعَرْتُ برهبة غريبة لم أعتد عليها في مثل هذه المواقف بعدما تركتني أنجيلا عند باب مكتب السيّد حسين باقر ، قرعت الباب الذي ما أنْ فتحته إلاّ و رائحة البخور تفوح في الممر و كانت هناك سحابة كثيفة من دخان البخور و العود المحروق ، و التي من خلالها رأيت شخصاً يرتدي ثياباً عربية بيضاء و يضع على رأسه طرحة بيضاء يثبتها بعقال أسود ، توقف و اخترق سحابة الدخان متّجهاً نحوي مطلقاً عبارات الترحيب الموروثة من الأجداد ، و أثناء المصافحة قدّمت نفسي :

 

-       صابر عوّاد

-       حسين باقر ، المدير التنفيذي

-       تشرفنا سيدي

-       أتمنى أن تكون قد قضيت نهاية أسبوع سعيدة في المنامة

-       نعم فقد كانت رائعة أشكركم على حسن الضيافة

 

باقر ، هذا الاسم كان غريباً على مسْمعي ربّما لأّنه غير دارج في عمّان . جَلَسْنا على طاولة الاجتماعات في مكتبه ، و بلغة سلسة حدّثني عن طبيعة أعمال الشركة و عن طبيعة مهمتي و التي كانت متابعة الأعمال التجارية الخاصة بالشركة خارج البحرين ، كان حديثه مقتضباً تعليمات قليلة يمكن حفظها و فهمها و بالتالي السرعة في تطبيقها ، و لم ينسى إخباري بأن الشركة استأجرت لي بيتاً قريباً منها ، و بإمكاني أيضاً أن آخذ قرضاً ميّسراً لشراء الأثاث ، و في آخر المقابلة أعطاني مجموعة من الأوراق للاطلاع عليها و لكن لفت انتباهي أنّ هناك أوراق مكتوبة باللغة الروسية ، سألته عنها و لكنّه استشاط غضباً لأنّ الأوراق لم تترجم بعد فاتصل بأنجيلا ليخبرها بذلك و بدت عليه علامات الاستياء و الانزعاج واضحة ، و قال لي :

 

-   عذراً صابر فالمترجم غير موجود كم كان بودي أن أعرف رأيك في هذه الملفات و التي ستكون متابعة تنفيذها من مهماتك الرئيسة

-       لا تقلق أستاذ حسين ، فأنا أجيد اللغة الروسية

-       و لماذا لم تخبرنا بذلك ؟!!!

-       اعتقدْتُ أنْ لا أهمية لها هنا

-       كل الأهمية لها يا أستاذ صابر

 

تبدّل استياءه سروراً و توتره استرخاءً ، فقد كانت بالنسبة له مفاجأة سعيدة و كذلك للشركة بطبيعة الحال . و انتهز الفرصة و عقد معي اجتماعاً على الفور ؛  ليخبرني بأنّ هناك وفداً روسياً علينا مقابلته الليلة ، و ما أن

المزيد


على ضفاف نهر الدموع / الجزء الأول : الحب و الرغبة / ف3

أيلول 7th, 2006 كتبها باسم محمد فارس نشر في , على ضفاف نهر الدموع / رواية

- الفصل الثالث -
 
بَدَأَتْ إجراءات دخولي إلى الجزيرة الصغيرة فور خروجي من الطائرة ، مبنى المطار كان رائعا من الداخل و السجاد الأحمر يُعْطيكَ شعوراً بفخامة المكان ، كما أنّ موظفي دائرة الهجرة يؤكّدون بإجراءاتهم أنّ في البحرين شعباً يجيد فن التعامل مع الآخرين ، كما أنّهم بعيدين كل البعد عن مفهوم الدّولة البوليسية . لم يكن هناك متسّع من الوقت للذّهاب إلى السوق الحرّة ، فاتّجهتُ مباشرة إلى التفتيش الذي كنْتُ أعتقد بأنّه سوف يأخذ وقتاً طويلاً ، و لكن عكس ظني تماماً فلم يأخذ ذلك التفتيش من الوقت إلاّ دقائق معدودة ، فحقيبتي لم تُفْتَحْ و موظف الجمارك استقبلني بابتسامة و ودّعني بعبارة أهلاً و سهلاً ، لأجد نفسي في القاعة الخارجية للمطار حيث كانت امرأةً ذات ملامح شرق آسيوية و بيدها لوحة اسمي مكتوبٌ عليها ، توجّهت إليها مباشرةً و صافحتها و قلت لها :
 
- أنا المطلوب سيدتي فأنا صابر عوّاد
- أهلاً و سهلاً بك في المنامة ، أنجيلا رونالدو المكلّفة باستقبالك سيّدي
- تشرّفنا سيدتي
- أتمنى لك إقامة سعيدة في المنامة
- شكراً فهي ستكون سعيدة إن شاء الله
 
شعرت  بحيوية كبيرة  و برغبة قوية في العمل من أجل اكتشاف نفسي الضائعة في الأقبية المُظلِمة ، الفاصلةِ بين الأمل و الواقع . لفحني بخار ساخن عندما خرجنا من مبنى المطار و كأنني في حمام ساونا ، فقد كانت حرارة شديدة مع رطوبة عالية ، لاحظت أنجيلا تضايقي من حرارة الجو ، فقد سَبَقْتُها إلى سيّارتها ، لم تنتظر تعليقي على ذلك ، فما أنْ أدارت السيّارة إلاّ و قالت لي :
 
- نحن الآن في آخر شهور الصيف ، فلا تقلق
- و من قال لكِ بأنني قلق ؟!!
- أوكي ، هيا بنا إلى الفندق
 
لم أرغب في تأكيد ملاحظتها بأنّني سريع الأحكام ، أعرف أنّها تضايقت مني و لكنّها سرعان ما ابتسمت ليعود الدفيء إلى حديثنا ، اخترقنا شوارع المنامة النائمة ، المرصوفة بالقرب من سواحل الجزيرة الصغيرة ، فالأضواء المنعكسة من مياه الخليج تعطيها منظراً رائعاً ، أشبه ما يكون بلوحة رَسَمَتْها ريشة فنان ، يتذوّق الحضارة العصرية بإحساس مرهف . أخذت أنجيلا تسمي شوارع المنامة و كذلك مجمّعاتها التجارية و كأنّها صاحبة المكان ، سألتها بفضول :
 
- هل تعيشين هنا منذ فترة طويلة أنجيلا ؟
- نعم ، منذ عشرة سنوات
- لوحدك ؟!
- لا بل مع زوجي الذي يعمل في البحرية الأمريكية
- اعتقدت أنّكِ من شرق آسيا
- نعم ، فأصولي فلبينية ، و لكنني أمريكية
- أهلا بك أنجيلا
 
لم أتعجب كونها تحفظ المكان عن ظهر قلب ، أدارت إذاعة أف إم التي تخصص بثّها للجنود الأمريكان ، و زادت سرعة السيّارة التي كادت أن تطير ، فكأنّها ترقص ثملةً على إحدى أغنيات الغرب الأمريكي المزعجة في واحدة من حانات تكساس الشعبية ، خفّفتْ من سرعة السيّارة عندما وصلنا إلى أحد ميادين المنامة :
Go 
- صابر انظر هذا هو ميدان اللؤلؤة
- حقاً ! هل هي لؤلؤة حقيقة أنجيلا أم ماذا ؟!!!
 
ضحكت أنجيلا بقهقهة فهي لم تتوقع بأن أسأل سؤالاً كهذا ، فمن غير المعقول أن يكون هناك لؤلؤة بهذا الحجم الكبير ، و لكنني عقّبت قائلاً :
 
-   شيءٌ جميل بأن يكون لكل شعب تراث يعتز به ، فتجارة اللؤلؤ كانت من مصادر الرزق المحدودة في هذه الجزيرة قبل اكتشاف النفط
-       بكل تأكيد صابر ، و لكنك تجيد النكتة
-       نعم ، و يبدو أنني سأحفظ الكثير منها هنا
 
بدأ النعاس يتملكني ، و بدأ سلطان النوم يمارس سلطته المطلقة ، و شعرت بأن الطريق طويلة إلى الفندق فسألتُ أنجيلا
 
-       عفواً أنجيلا أعتقد أنّ الطريق إلى الفندق لا زال طويلاً ، أليس كذلك ؟
-       لا بل أنني رغبت بإعطائك فكرة أولية عن المنامة
-       شكراً أنجيلا و لكنني بدأت أشعر بالتعب
-       لا تقلق أقل من خمسة دقائق و تكون في الفندق
 
و بالفعل لم يمر إلاّ خمسة دقائق و كنت في صالة الاستقبال الخاصة هيلتون ، بفندق فقد حجزت لي الشركة غرفة فيه و ما أن انتهيت من إجراءات استلامها إلاّ و أنا أجد نفسي مسرعاً إليها فقد تملكتني رغبة قوية في النوم ، آخر لحظة أذكرها تلك الليلة و هي لحظة استلقائي على السرير الذي ما أن استلقيت عليه إلاّ و أنا أغرق في نوم عميق لم أنهض منه إلاّ بعد ظهر اليوم التالي .
 
طلبت من خدمة الغرف إحضار طعام الغداء ، فلم أشعر بالجوع في حياتي كما شعرت به تلك اللحظة ، و بعد أنْ تناولته قررت احتساء القهوة في وسط المدينة و لحسن الحظ فلم يكن الفندق بعيداً عنه ، فقد سَلَكْتُ طريق الكورنيش المقابل لبحر الخليج ، فالأمواج كانت تحاكي الجزيرة و تروي حكايات القادمين و الذاهبين ، التي كانت هذه الجزيرة هدفهم و لقمة شهية تسعى كل دولة كبيرة لامتلاكها لتضع الطرق التجارية في تلك المنطقة في جيبها .
 
تروي الأمواج حكاية ديلمون و التي وصلت إلى درجة القداسة عند السومريين ، و استمرت كذلك عند الآشوريين و البابليين ، حتى أنّ روعتها جعلت الإغريق يقطعون أعالي البحار آتين  إليها ، تقلّبت في أحضان الأمم و الشعوب الأولى حتى قبل أهلها دعوة محمّد صلى الله عليه و سلم ، لتصبح منذ ذلك الحين عربية الهوية مسلمة العقيدة ، و بقيت كذلك إلى أن جاء البرتغاليين إليها و لكنّ فظاظتهم مع شيوخ الجزيرة دفعت أحد شيوخها و هو ركن الدّين إلى مساعد الفرس في ابتلاع الجزيرة الصغيرة فأصبحت جزءاً من الإمبراطورية الفارسية إلى أن احتلّها المغامرون الإنجليز و الأمريكان ، تكلّم يا بحر و لا تخف من أحد .
 
تأمّلت تلك اللحظة الشمس التي شارفت على المغيب خلف هذه المياه المالحة لتعلن عن نهاية يوم لن يعود أبداً في منظر رائع يتكرر يومياً ، دقائق و كنت في وسط المنامة و بالتحديد عند بوابة البحرين المحاطة في البنايات الحديثة و الأسواق المنظّمة ، و لكن حرارة الجو و الرطوبة الشديدة حالتا دون إكمالي لهذه الجولة . فدخلت إلى مجمّع اليتيم الذي شهد حركة نشطة للناس ، فقد كانت تضم طوابقه مختلف أنواع المحلات التجارية ، فقد لاحظت فيما بعد أنّ ظاهرة المجمّعات التجارية متفشية بشكل ملحوظ ، و بعد جولة سريعة في طوابقه نزلتُ إلى الطابق الأرضي حيث المقهى و الذي فيه أمارس هواياتي المفضلة في مراقبة حركات بشر هذا العالم ، فقد كان ذلك المقهى أشبه ما يكون بالمرفأ ، زبائنه من مختلف الجنسيات و الأعراق فهناك الأبيض و الأسود و الأسمر و الأصفر ، إنّها البشرية في مختلف ألوان طيفها العرقي ، أتت إلى هذه الجزيرة و تجمع مندوبيها في مقهى مجمع اليتيم ، اخترت مكاناً متميّزاً يجعلني أرى جميع الزبائن الجالسين فيه و الدّاخلين إليه .
 
لم تمر سوى لحظات إلاّ و إحدى آلهة الجمال من إفريقيا الوثنية قادمةٌ نحوي فتاةٌ سوداء ، سرحتُ في قوامها تخيّلت الأفارقة يرقصون حولها قارعين لها الطبول مقدِّمين لها القرابين ، إنّها نادلة المقهى الزنجية أتت لتسألتني عن طلبي فطلبت منها إحضار فنجان قهوة تركية ، و إلى حين أن تحضرها التقطت إحدى الجرائد الموجود على الطاولة لأتصفّحها و لكنني سرعان ما أعدتها إلى مكانها فلا شيء قيها يستحق القراءة ، و لحسن الحظ لم تتأخر النادلة في إحضار القهوة التي وضعتها أمامي على الطاولة في طريقة تدل على الاحتراف .
 
أشعلتُ سيجارة و ارتشفت الرشفة الأولى من الفنجان و نفثت الدخان من فمي ، الذي خرج على شكل ضبابه دخانية و التي من خلفها ظهرت حورية أعتقد أنّها خرجت من البحر القريب من هنا ، و بعد أن تلاشت الضبابة الدخانية فركتُ عيناي من الحُرقة التي شعرت بها فاتضحت الصورة فالتي اعتقدت أنّها حورية بحرية كانت فتاةٌ قمّةٌ في الجمال فطولٌ فارع و شعرٌ أشقر يتدلى على الكتفين و عينان زرقاوان تسحران من يتأمّلهُما ، جلست في مرمى ناظري و على الطاولة المقابلة لي ، و عندما ذهبت إليها النادلة الزنجية اختلطت مقاييس الجمال كما تختلط قهوة الصباح مع الحليب فكلُّ شيء هناك لخدمة المستهلك .
 
ارتشفت القهوة و شعرت بالغيرة من الفنجان الذي تعمّد من شفتيها ، و استمتع بنعومة أصابع يديها ، ظهرت مفاتنها عندما وضعت رجلها اليسرى على اليمنى ، فالتهمها روّاد المقهى بنظراتهم التي جعلها الكبتُ و الحرمان تزداد عُمقاً و غوراً ، فكلُّ واحد منهم كان مستعداً للانقضاض عليها ، دفعتني رغبتي القوية إلى أن أكون أول المنقضين و آخرهم ، ولاّعتها الثمينة لفتت انتباهي ، توجّهتُ لأطلب منها ولعة .
 
-       مساء الخير آنستي
-       مساء الخير ، هل من خدمة ؟
-       نعم ولْعة من فضلك
-       بكل سرور ، تفضل
 
أشعلت سيجارتي و لكنني لم أُعِدها لها و عدت إلى مكاني

المزيد


على ضفاف نهر الدموع / رواية / الجزء الأول / الحب و الرغبة

أيلول 5th, 2006 كتبها باسم محمد فارس نشر في , على ضفاف نهر الدموع / رواية

الفصل الثاني

هل تذكر يا كريم يوم ودّعتني في المطار و بارَكْت لي سفري و اعْتَبَرْتَهُ هدية من الله ساقها القدر لي ، فقد كانت الرحلة تحمل الرقم 606 و قد بدأت فور انتهائي من إجراءات الخروج و السفر ، و التي بعدها ذهبت إلى المقهى لاحتساء القهوة التي ستساعدني على البقاء يقظاً طوال فترة تلك الرحلة الليلية و التي سنخترق فيها ظلمة الليل الحالك مُحلّقين حتى الفجر .

تأمّلتُ في ذلك المقهى لحظات السفر و فراق الأحبة ، قد تكون صادقة و لكنّها بالتأكيد صعبة ، في تلك اللحظة تذكّرتُ جدّي ذلك الشيخ الكبير ، و أرجعتني الذاكرة إلى أيام الطفولة ، فقد تذكّرتُ الحكايات التي كان يرويها جدّي للأطفال في المخيّم ، أذكر أنّه كان يخبرنا عن طيور النورس و عن شواطئ بلادنا المنهوبة ، و عن ذكرياته هناك في الوطن ، أذكر حديثه عن الميناء الذي كان يشهد حركة نشطة للسفن ، و بالطبع لم يكن جدّي يدرك أن هذه السفن تقذف قطعاناً من المجرمين الذين سيفتكون به و يطردونه من أرضه و وطنه في بضع سنين ليصبح لاجئاً لا حول له و لا قوة ، فحكاياته أصبحت وطناً و العودة إلى تلك الموانئ حلُماً ، و لأجل تلك العودة قُدِّمت قوافل الشهداء و ستقدّم ، يالي الهول فقد احترقتُ ألماً لحظة وداع الأهل و الأحبة و التي كانت صعبة و مؤلمة ، فكَمْ كان جدّي جبّاراً و هو يعبر النهر مطروداً من وطنه ، و التي أصبحت عودَته إليه في علم الغيب و الشهادة ، ذَرَفْتُ الدّموع و أقسَمْتُ لأعملّنَ يا جدّي في سبيل إعادتك إلى الوطن ، و إنْ لم يسمح لك العمر بالعودة لأحْملّنَ رفاتك لأواريها الثرى بالقرب من شاطئ البحر حيث كنت تستمتع برؤية الميناء و الأمواج و براءة طيور النورس  .

ذهبت لأغسل وجهي ، فعيناي تلتهبان من شدّة الاحمرار و في تلك الأثناء سمعت آخر شيء في عمّان ، فقد كان عبر مكبّرات الصوت : على السّادة المسافرين على متن الخطوط الجوية الملكية الأردنية في رحلتها رقم 606 و المتجه إلى البحرين و الدوحة التوجه إلى قاعة الركوب رقم 10 ، و لكنّني أجّلت قليلاً الذهاب إلى تلك القاعة لأُكْمِلَ ما بقي من فنجان القهوة ، فقد كانت الحركات السريعة للمسافرين تبدو أكثر وضوحاً فكل واحد منهم ودّع الأهل و الأحبة على أمل اللقاء بهم مرّة أخرى و قد حقق كلّ منهم الغاية التي خرج من أجلها .

لم يبقى الكثير على موعد الإقلاع ، فحَمَلْتُ حقيبتي الصغيرة على كتفي لأنضم مع باقي المسافرين في حركاتهم السريعة ، و اتّجهت مباشرة إلى قاعة الركوب و في ذهني تساؤل هل تكون هذه الرحلة بداية تحقيق الآمال و الطموحات أمْ أنّها هجرةٌ أخرى ؟ ، أصبح همّي أن أركب الطائرة لتأخذني كما أخذ بساط الريح من امتطاه إلى بلاد الأحلام ، فها قد هربت من الواقع المرير ، فهل سيكون غداً يوماً آخر ؟؟

جلَسْتُ في مقاعد الطائرة الخلفية ، لم يتأخر الإقلاع و شرع طاقم الطائرة بشرح تعليمات النجاة و بدأت الطائرة تتحرك باتِّجاه المدرج ، وقبل الإقلاع بدقائق خفتت الأضواء الداخلية و دارت المحرّكات و انطلقت بسرعة كبيرة على المدْرَجْ لمدة لا تزيد عن ثلاثة دقائق لتبدأ التحليق ، و ليقل الزمن الذي يفصلني عن تحقيق أحلامي فقط ساعتان و أكون في المنامة لتبدأ مرحلةٌ جديدة ، العزم فيها معقود على السير قدماً في بناء غدٍ أفضل .

انطفأت إشارة عدم التدخين بعد أن أخذت الطائرة مسارها في الجو و بدأ طاقم الطائرة العمل بنشاط لأجل راحة المسافرين ، نظرت من النافذة و تأمّلت اختراق الطائرة للأجواء فيال هذا الإنسان الذي تمكّن من تطويع موارد الأرض بعقله و نجح في النهاية في محاكاة الطيور التي كان يحلم بالتحليق في الأجواء مثلها فاستفز هذا الحلم العقل لينتصر الإنسان حتى على الطيور في تحليقها . و في غمرة هذا التأمل أيقظني ملاك لا أدري من أين أتى :

-       عفواً أستاذ

-       هل من خدمة آنستي ؟

-       نعم ، ولاّعة من فضلك

-       ولاّعة فقط

-       نعم ولاّعة فقط ، أو معك شيء آخر ؟!!!

-       نعم ، معي خيمة

صمتت و كأنّ الكلمات ضاعت من بين شفتيها ، فقد كانت إحدى المسافرات على متن الطائر الميمون ، فهي رشيقة سمراء و بريق ساحر مصدره عيناها الدّامعتان ، كانت تتحلى بجمال خلاّب ، ضاعت الكلمات من شفتيها الورديتين تاج أنوثتها الدافئة ، لم تكن تدري كيف تجيب و أخذت تدخن من السيجارة الغير مشتعلة ، و بينما كانت تنظر إليّ لاحظتُ اتساع بؤبؤا عينيها ، أشعلتُ لها السيجارة لأشتعل معها ، دعوتها للجلوس معي و الأمل يحذوني بأن تقبل الدعوة ، و بالفعل وافقت و لكنّها لم تنبس ببنت شفه ، فيالي هذه الخيمة التي أصمتت هذا الملاك ، انتهزت فرصة بدء الطاقم في تقديم وجبة العشاء لأدعوها كي نتناوله سوياً :

-       عفواً آنستي هل لي أن أطلب منك شيئاً ؟

-       تفضل

-       أن تقبلي دعوتي كي نتناول العشاء سوياً

-       بكل سرور ، يا  ؟

-       صابر  و أنتِ ؟

-       نداء

-       تشرّفنا يا نداء

نبرتها كانت موسيقى هادئة ، واسْمُها لحنٌ سمفوني أبْحرَ في أعماقي ، فلا زلت أذكر آثار تلك السهام المنطلقة من عينيها لتصيب القلوب بداء العشق المحمود ، فقد كانت لهذه الفتاة جاذبية من نوع خاص :

-       مسافرة إلى المنامة يا نداء ؟

-       لا بل إلى الدوحة

-       مقيمة مع العائلة هناك ؟

-       لا و لكنني مسافرة لتغطية مؤتمر سيعقد هناك

-       إذاً فأنت صحفية

-       نعم

-       مهنة صعبة فهي تتطلب كمّاً هائلاً من الصدق ، أليس كذلك ؟

-   نعم بكل تأكيد ، فالصحفي يكون دائماً في المواجهة ، لا سيّما إنْ كان صادقاً و مخلصاً في عمله ، فنقل الحقيقة إلى الناس ليس بالمسألة السّهلة

-       نعم بكل تأكيد و لا سيِّما في لبنان

-       و لماذا لبنان بالذات ؟!

-       لأنني أعتقد بأنك لبنانية ، أليس كذلك ؟

-       لا خانتك فطنتك هذه المرة ، فأنا لست لبنانية بل فلسطينية أسكن مخيم عين الحلوة ، هل سمعت عنه ؟

-       نعم ، أخبرني عنه والدي الذي اشترك في المقاومة عام 1982

-       فأنت فلسطيني إذاً

-       نعم

-       من أين ؟

-       من نفس المكان تعيشين فيه ، مكانٌ نسكنه و يسكننا فأنا من مخيّم الوحدات

-       لهذا السبب أنت تحمل خيمة ؟

-       نعم ، فهي التي جعلت الكلمات تض

المزيد


التالي